الطوارئ ليست لحظة الكارثة

الطوارئ الحقيقية لا تبدأ عند وقوع العاصفة أو اندلاع الحريق أو حدوث الزلزال أو انتشار الوباء أو نشوب الحرب وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من القدرة على استشراف الخطر والتنبؤ به ورصده مبكرا وفهم احتمالاته وآثاره، ثم تحويل المعرفة إلى استعداد والاستعداد إلى خطط والخطط إلى قدرة تنفيذية حقيقية. فالدولة التي تنتظر الكارثة حتى تتحرك لا تملك منظومة طوارئ وإنما تملك رد فعل أما الجاهزية الوطنية فهي منظومة متكاملة من الاستباق والتنبؤ والاستعداد والاستجابة والتعافي تستند إلى بنية تحتية قادرة على الصمود، ومؤسسات تعرف أدوارها وقيادات مدربة وخبرات متراكمة وكوادر مؤهلة واتصالات لا تنقطع ومواصلات قادرة على الوصول، وقدرة على الحركة السريعة والإنقاذ والإخلاء وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية. وتبدأ الجاهزية من المعرفة ومن خرائط المخاطر والسكان والمنشآت الحيوية ومصادر المياه والطاقة والطرق والمستشفيات والملاجئ ومراكز الإيواء ومن نظم الإنذار المبكر والرصد الوبائي والمناخي والبيئي والزلازل والسيول والحرائق ومن قواعد بيانات حقيقية تمكن الدولة من معرفة من يحتاج إلى المساعدة وأين يوجد وكيف يمكن الوصول إليه. ثم تأتي الخطط التنفيذية الواضحة والخطط البديلة عندما تفشل الخطة الأولى، وسلاسل القيادة والاتصال التي لا تتعطل في لحظة الفوضى، والتدريبات والمحاكاة التي تحول الإجراءات المكتوبة إلى مهارات حقيقية لدى العاملين والمتطوعين. ولا يمكن أن تكون هناك جاهزية حقيقية من دون مخزونات استراتيجية تكفي للصمود في الأيام والأسابيع الأولى من الكارثة، مخزونات من الأدوية والمستلزمات الطبية والدم ومياه الشرب والغذاء والوقود ومواد الإيواء والطاقة ومستلزمات النظافة والحماية، مع أنظمة لتدويرها وتجديدها وتوزيعها بسرعة. وحتى مفهوم الإيواء يجب أن يكون جزءا من التخطيط الوطني، من الخيمة ومراكز الإيواء المؤقتة إلى المباني الآمنة والملاجئ والمنشآت المحصنة، فوق الأرض وتحتها، بحسب طبيعة الخطر ومكانه وحجمه. والاستجابة لا تصنعها مؤسسة واحدة. إنها شبكة وطنية متكاملة تتعاون فيها الصحة والدفاع المدني والهلال الأحمر والأمن والبلديات والنقل والاتصالات والمياه والكهرباء والبيئة والمؤسسات العسكرية والجهات المختصة إلى جانب فرق الإنقاذ والمتطوعين والمجتمع المحلي، على أن يعرف كل طرف مهمته قبل الكارثة وليس أثناءها. والمتطوع الذي لم يتلق تدريبا لا يكفيه حسن النية أما المتطوع المدرب على الإسعاف والإنقاذ والإخلاء وإدارة الحشود والبحث عن المفقودين والتعامل مع الأوبئة والكوارث الطبيعية والحرائق، فيصبح جزءا من قوة الدولة والمجتمع. والأمن الصحي في الكوارث لا ينفصل عن الأمن الوطني فالوباء قد يعطل المجتمع، والسيول قد تعزل مدنا، والزلزال قد يشل المستشفيات، والحرب قد تقطع الإمدادات، والحرائق قد تدمر البنية التحتية، والعاصفة قد تقطع الطرق والاتصالات والمياه والكهرباء في ساعات. لذلك فإن الدولة تقيس جاهزيتها بقدرتها على الاستمرار عندما تتعطل الأشياء التي تبدو في الأيام العادية مضمونة. إن بناء منظومة الطوارئ الوطنية هو استثمار في الحياة قبل وقوع الخطر، وفي قدرة المجتمع على الصمود عندما تفشل الظروف الطبيعية. إنها ثقافة دولة لا تنتظر الكارثة لكي تتعلم، ولا تبحث عن الإمكانات بعد وقوعها وإنما تعرف مسبقا ماذا يمكن أن يحدث وأين سيحدث ومن سيستجيب وبأي إمكانات، وكيف يستمر العمل إذا تعطلت الخطة الأولى. فالقوة الحقيقية في مواجهة الكوارث ليست في سرعة رد الفعل وحدها وإنما في أن تكون الدولة قد بنت مسبقا القدرة على ألا تتحول الصدمة إلى كارثة وطنية.





