غير مصنف

الطب رحمة وكفاءة ورسالة وليس استغلال ودعاية وتجارة

د.علي المبروك أبوقرين

المرض ليس وحده ما ينهك الإنسان فالمرض قد ينهش الجسد ويستنزف النفس ويقلب حياة المريض وأسرته رأسا على عقب، لكن المأساة الأشد قسوة أن يجد الإنسان نفسه وهو يبحث عن العلاج والنجاة، أمام ممارسات تحول ألمه إلى فرصة للاستثمار، وحاجته إلى وسيلة للاستغلال وخوفه من الموت إلى باب مفتوح للاستنزاف حتى آخر درهم من مدخراته وربما حتى آخر ما بقي لديه من قدرة على الاحتمال.

عندئذ لا يعود مشوار العلاج رحلة للشفاء وإنما قد يتحول إلى سلسلة من الأفخاخ تتشابك فيها المصالح، وتختلط فيها الحاجة الطبية بالمصلحة التجارية، ويصبح المريض الحلقة الأضعف في علاقة يفترض أن يكون أساسها الرحمة والثقة والأمانة والكفاءة.

وفي ليبيا حيث لا تزال مسؤولية الدولة عن حماية الصحة العامة وتنظيم الممارسة الطبية قائمة، وحيث أنفقت الثروة الوطنية على تعليم الأطباء وتأهيلهم وتدريبهم وابتعاثهم إلى الجامعات والمراكز الطبية في الخارج، وحيث يتقاضى قطاع واسع من الكوادر الصحية رواتبه من المال العام تصبح المسؤولية المهنية والاجتماعية أكثر عمقا.

فهذا الإنفاق ليس منة على الطبيب ولا ينتقص من حقه في أجر عادل ومرضي وبيئة عمل كريمة واستقلال مهني مصون إنما هو استثمار وطني في الإنسان وأمانة اجتماعية يفترض أن تعود ثمارها على المجتمع في صورة علم وخبرة وكفاءة وخدمة تحفظ الحياة والكرامة.

 ومن حق الطبيب أن ينال التقدير والإنصاف، ومن حق المريض أن ينال الرعاية الصادقة والآمنة، ولا يجوز أن يكون حق أحدهما ذريعة للانتقاص من حق الآخر.

لقد ظهرت في بعض الممارسات الصحية صور مقلقة تستوجب التوقف والمساءلة، من التعالي على المرضى، والتعامل معهم باعتبارهم أرقاما أو مصادر دخل، إلى الدعاية المضللة التي تصنع ألقابا من نوع الأعلم والأفضل، وتسوق بعض المصحات والعيادات باعتبارها الوجهة الوحيدة أو الأرفع كفاءة، عبر صفحات مؤجرة وحملات دعاية لا تعكس بالضرورة حقيقة الخبرة أو المهارة أو النتائج.

 وقد تتحول المواعيد البعيدة أحيانا من نتيجة طبيعية لازدحام العمل إلى إيحاء مقصود بندرة الطبيب وارتفاع قيمته، ثم تصبح ذريعة لرفع تكلفة كشف لا يستغرق في بعض الحالات إلا دقائق معدودة، دقائق لا يجد فيها المريض فرصة كافية لشرح شكواه ولا يجد الطبيب وقتا للإصغاء الحقيقي، ولا يخرج المريض بفهم واضح لطبيعة مرضه أو خيارات علاجه أو ما ينتظره في المراحل التالية.

وتزداد الخطورة حين تُختزل العلاقة العلاجية في طلب قوائم طويلة من التحاليل والفحوص والصور الطبية المكلفة، دون بيان ضرورتها أو علاقتها بالسؤال السريري أو حين تُكتب وصفات دوائية لا تخدم دائما مصلحة المريض بالقدر الذي تخدم به مصالح أخرى أو حين يُدفع المريض نحو تدخلات لا تفرضها حاجته الطبية، من عمليات جراحية غير ضرورية أو تنويم بالمصحات، أو إدخال إلى العنايات، بما يحمله ذلك من مخاطر وتكاليف نفسية ومالية وجسدية.

 إن الفحص الطبي ليس سلعة تُكدّس والعملية الجراحية ليست إنجازا في ذاتها، والتنويم ليس دليلا على جودة الرعاية إنما قيمة كل إجراء تُقيم بضرورته العلمية ومنافعه المتوقعة ومخاطره ومدى تناسبه مع حالة المريض ومصلحته.

ومن صور الخلل أيضا أن ينقطع التواصل بين الطبيب ومريضه بعد الكشف، فلا يجد المريض من يجيبه عن استفساراته ولا من يوضح له تطور حالته أو آثار العلاج أو أن يُترك في مواجهة رسائله ومخاوفه دون استجابة بينما تُسند مقابلة المرضى وجمع المعلومات الأولية في بعض العيادات والمصحات إلى أطباء تحت التدريب يعملون في ظروف قد تنطوي على استغلالهم، ويُقدمون للمريض أحيانا بوصفهم بديلا عن التواصل المباشر مع الطبيب المختص دون وضوح كاف بشأن أدوارهم ومستوى إشرافهم ومسؤولياتهم.

إن تدريب الأطباء حق وضرورة لكنه لا يبرر استغلال المتدرب أو إخفاء حقيقة دوره عن المريض، ولا يعفي الطبيب المسؤول من واجب الفحص والتقييم واتخاذ القرار والإشراف.

ولا تقل خطورة عن ذلك ممارسة بعض أصحاب الشهادات والألقاب للعمل في تخصصات أو إجراءات لا تتناسب مع خبراتهم الفعلية، أو استمرار من تتكرر في ممارساتهم أخطاء جسيمة دون تقييم مهني مستقل أو مراجعة جادة للكفاءة والمهارة. فالشهادة لا تختصر الخبرة واللقب لا يضمن الكفاءة والدعاية لا تصنع طبيبا متميزا، والسمعة التي تشتريها الصفحات المؤجرة لا تعادل ثقة يصنعها العلم والسلوك والنتائج.

وليس من المقبول أن يظل المريض عاجزا عن معرفة من يعالجه وما مؤهلاته الفعلية وما حدود خبرته، أو أن تبقى المضاعفات والوفيات والأخطاء والإجراءات الطبية خارج منظومة واضحة للتوثيق والمراجعة والمساءلة.

 إن أساس قيمة الطب ليس أن يتخذ الطبيب القرار منفردا ويطلب من المريض الامتثال وإنما أن يشرح له التشخيص والخيارات والمنافع والمخاطر والتكاليف، وأن يحترم حقه في المعرفة والمشاركة والقبول أو الرفض، وأن يصون حقه في رأي طبي آخر. فالموافقة المستنيرة ليست توقيعا على ورقة وإنما حوار حقيقي يسبق التدخل، ويجعل المريض شريكا في القرار المتعلق بجسده وحياته.

 ومن دون الإصغاء والشرح والشفافية واحترام إرادة المريض تفقد العلاقة العلاجية أهم مقوماتها الإنسانية والأخلاقية. لكن المسؤولية لا تقع على الممارس وحده فغياب الرقابة الفاعلة والحوكمة والتقييم المستمر، وغياب القوانين واللوائح التي تضبط العمل الطبي الخاص وتحدد شروط مزاولته وأسعاره ومسؤولياته، وافتقار المنظومة إلى بروتوكولات سريرية علمية ملزمة ومراجعة دورية، كلها تفتح المجال أمام تضارب المصالح وتضخم التكاليف والانحراف عن الممارسة الرشيدة.

أين النظام الذي يعرف من يعمل في المصحات والعيادات، وما تخصصه وخبرته وكفاءته؟ أين منظومة متابعة الإجراءات الطبية ومبرراتها ومخرجاتها ومضاعفاتها ووفياتها؟ أين التدقيق في معدلات العمليات والتنويم والعناية المركزة، وفي أنماط وصف الأدوية وطلب الفحوص، وفي التكاليف والتسعير؟ وأين آليات الشكاوى والتحقيق المستقل وحماية المبلغين وحقوق المرضى؟ إن ترك القطاع الطبي الخاص يعمل دون رقابة مهنية ومؤسسية حقيقية لا يعني حرية الممارسة وإنما قد يعني ترك الإنسان وحيدا أمام مصالح لا يملك أدوات تقييمها أو مواجهتها.

ومن الضروري هنا أن نميز بإنصاف بين الخطأ الطبي الذي قد يقع رغم الالتزام بالأصول العلمية، وبين الإهمال والتقصير، وبين الاستغلال المتعمد وتضارب المصالح والفساد.

 كما يجب ألا تُحمل هذه الممارسات لجميع الأطباء ففي ليبيا أطباء شرفاء يحملون رسالتهم بضمير، ويبذلون من علمهم ووقتهم وجهدهم ما يستحق التقدير والإنصاف، وهم أول من يتضرر حين تُترك المهنة لمن يسيء إليها.

 إن حماية سمعة الطب تبدأ بحماية أخلاقياته، وحماية الطبيب الشريف تبدأ بمحاسبة من يسيء إلى المهنة ويتخذ من شهادتها ستارا للاستغلال.

 إن المطلوب ليس التشهير ولا إصدار الأحكام المسبقة وإنما بناء نظام وطني يحمي المريض والطبيب معا وترخيص مهني مرتبط بالكفاءة والتخصص، واعتماد للمؤسسات الصحية، وبروتوكولات سريرية واضحة، وتدقيق مستقل في القرارات والإجراءات والنتائج، وإفصاح عن تضارب المصالح، ورقابة على الدعاية والإعلانات الطبية، وشفافية في الأسعار والتكاليف، وسجلات وطنية للأخطاء والمضاعفات والوفيات، وآليات فعالة للمساءلة والتقييم المستمر لجودة الأداء والتعامل والتواصل.

فالمؤسسة التي لا تُراجع نتائجها، والممارسة التي لا تُقيم والتكلفة التي لا تُراقب والقرار الطبي الذي لا يخضع للمعايير، كلها مساحات يمكن أن يتسلل منها الاستغلال على حساب الإنسان.

 إن المرض ليس مشروعا تجاريا والمريض ليس زبونا في سوق مفتوحة، والطب ليس وجاهة اجتماعية ولا منصة للدعاية ولا طريقا للثراء على حساب الخوف والألم.

 وليس كل ما يحدث داخل العيادات والمصحات طبّا، كما أن حمل الشهادة أو اللقب لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية أو مهنية.

 فالطب علم ومسؤولية وأمانة وضمير، وكرامة المريض ليست وجهة نظر، وأخلاقيات المهنة ليست خيارا، وحق الإنسان في العلاج الآمن لا يجوز أن يتحول إلى فرصة لاستنزافه.

 فمن سمح بأن يصبح مشوار العلاج في ليبيا محفوفا بأفخاخ الاستغلال؟ ومن يراقب من يقرر الفحوص والعمليات والتنويم؟ ومن يحاسب على التكاليف والمضاعفات والأخطاء والوفيات؟ إن الصمت عن هذه الأسئلة ليس حيادا إنه ترك للمريض وحيدا في أكثر لحظات حياته ضعفا.

 والطب الذي لا يحمي الإنسان من المرض ولا يصونه من الاستغلال ولا يحترم ألمه وكرامته، يكون قد فقد رسالته مهما كثرت شهادات ممارسيه واتسعت مصحاته وارتفعت أسعار خدماته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى