كتاب الرائ

الصحة المظلومة والعافية المفقودة وعجز الدولة الريعية عن صناعة صحة أمتها

رسالة مفتوحة

ليست المدينة الطبية الجامعية الذكية حلما من أحلام المستقبل ولا خيالا هندسيا منفصلا عن واقع العالم وإنما هي صورة متكاملة لما أصبح العلم والتكنولوجيا والهندسة الطبية والذكاء الاصطناعي والطب الجينومي والروبوتات والمعلوماتية الحيوية والبحث العلمي قادرا على تقديمه وما تتجه إليه المؤسسات الطبية والعلمية المتقدمة. غير أن هذه المدينة مهما بلغت من ضخامة المباني ودقة الأجهزة وتعقيد التقنيات لن تصنع صحة أمة بمفردها ولن تحقق غايتها إذا ظلت محاصرة داخل أسوارها، منفصلة عن الأسرة والمجتمع والمدرسة ومكان العمل والبيئة، أو إذا افتقرت إلى العقول المؤهلة والكوادر المدربة والمنظومة الوطنية التي تجعل التكنولوجيا معرفة والمعرفة ممارسة والممارسة صحة وحياة. إن المدينة الطبية الجامعية الحقيقية ليست مستشفى كبيرا تتجمع فيه التخصصات وإنما منظومة علمية وإنسانية واقتصادية متكاملة، تضم مستشفيات جامعية وتعليمية ومراكز متقدمة للتشخيص والعلاج والجراحة، ومعاهد للعلوم الطبية والبحوث التطبيقية، ومراكز للمحاكاة والتدريب السريري، ومختبرات للجينوم والطب الدقيق والعلاج الخلوي والجيني، ووحدات للعلاج الإشعاعي والطب النووي والعلاجات الموجهة، ومراكز للذكاء الاصطناعي واكتشاف الأدوية، ومرافق للتأهيل والرعاية النفسية والتلطيفية، ومنظومات متقدمة للتعامل مع الطوارئ والكوارث والأوبئة. وهي كذلك بيئة علمية تتفاعل فيها كليات الطب والتمريض والصيدلة وطب الأسنان والعلوم الطبية التطبيقية والصحة العامة والهندسة الطبية والحيوية والمعلوماتية الصحية والعلوم الاجتماعية مع الممارسة السريرية والبحث والابتكار في إطار مؤسسي واحد يحمي جودة التعليم وسلامة المرضى ويحول المعرفة إلى نتائج قابلة للقياس. وفي هذه المدينة تصبح غرف العمليات الرقمية الهجينة والجراحة بمساعدة الروبوت، وأنظمة التصوير المتقدم، والمختبرات الجينومية، والتشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي والسجلات الصحية المتكاملة وأنظمة الإمداد الذكية، أدوات لتحسين القرار الطبي وتقليل الأخطاء ورفع الكفاءة وليس مجرد واجهات تقنية باهظة الثمن. وتصبح الأسرة الذكية وأجهزة المراقبة المستمرة والاستشعار غير المرئي وسائل لاكتشاف التدهور الصحي مبكرا، وحماية كبار السن من السقوط وتحسين رعاية المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة دقيقة. وتوفر المحاكاة الطبية والواقع الافتراضي والتوأمة الرقمية بيئات آمنة يتدرب فيها الأطباء والممرضون والفنيون وفرق الطوارئ على الحالات المعقدة والكوارث قبل مواجهة المرضى في الواقع. أما العلاجات الجينية والخلوية والطباعة الحيوية للأعضاء، فهي مجالات علمية متقدمة ينبغي بناء القدرات فيها وفق النضج العلمي والأدلة السريرية والجدوى والأمان، ليس تقديمها بوصفها تقنيات مكتملة قادرة اليوم على طباعة الأعضاء البشرية وزراعتها بلا حدود أو إنهاء قوائم الانتظار نهائيا. لكن أساس هذه المدينة لا يوجد في أجهزتها وحدها وإنما في الإنسان الذي يصممها ويديرها ويستخدمها ويطورها وفي النظام الذي يربطها بحياة الناس قبل أن يصبحوا مرضى. فالصحة التي تستحقها الأمة تبدأ قبل الميلاد بسلامة الأم ورعاية الحمل والتغذية والكشف المبكر عن المخاطر والأمراض الوراثية، وتمتد إلى الولادة الآمنة والطفولة والنمو والتطعيم والتغذية السليمة والصحة النفسية والتعلم ثم إلى المراهقة والشباب والعمل والأسرة والشيخوخة وتنتهي برعاية كريمة في نهاية الحياة. إنها خدمات صحية شخصية وأسرية ومنزلية ومجتمعية، استباقية وتنبؤية ووقائية وعلاجية وتأهيلية وتلطيفية، تتكامل فيها الرعاية الأولية مع المستشفيات والمراكز التخصصية، وتنتقل المعلومات والإحالات بين مستويات الخدمة من دون أن يضيع المريض بين المؤسسات أو يضطر إلى إعادة رحلته من البداية عند كل انتقال. وهنا تستعيد الأسرة مكانتها التي انتزعتها منها نماذج الرعاية التي لا ترى الإنسان إلا عند دخوله المستشفى. فالأسرة ليست مجرد مجموعة أفراد يراجع كل منهم الطبيب منفردا وإنما وحدة اجتماعية وصحية تتأثر صحتها بالسكن والمياه والغذاء والتعليم والعمل والدخل والبيئة والعلاقات النفسية والاجتماعية. ومن ثم تحتاج المنظومة إلى فرق مؤهلة للرعاية المنزلية وصحة الأم والطفل وصحة كبار السن، والتمريض المجتمعي والتثقيف الصحي والصحة النفسية والتأهيل والخدمات الاجتماعية الصحية والرعاية التلطيفية ومتابعة الأمراض المزمنة ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة. وتحتاج إلى سجلات صحية موحدة تحترم الخصوصية، وخطط رعاية فردية، وإنذار مبكر للمخاطر، وإحالات منظمة، وإمكان الوصول إلى الاستشارة والمتابعة من المنزل، بحيث لا يصبح المستشفى بوابة الصحة الوحيدة ولا يكون المرض المتقدم شرطا للحصول على الاهتمام والرعاية. إن هذا التحول يحتاج إلى قوى عاملة صحية مختلفة في تكوينها العلمي ومهاراتها وتخصصاتها وأخلاقياتها وليس إلى أعداد كبيرة على الورق. يحتاج إلى أطباء يمتلكون أساسا علميا راسخا وتدريبا سريريا حقيقيا، وإلى استشاريين وأساتذة ذوي خبرة عميقة في تخصصاتهم، وإلى ممرضين وممرضات مؤهلين لممارسة مهنية مستقلة ضمن حدود اختصاصهم وإلى صيادلة سريريين، وأطباء أسنان، واختصاصيي علاج طبيعي وتأهيل وعلاج وظيفي ونطق، وفنيي مختبرات وأشعة وتخدير وعناية مركزة وطب طوارئ، وخبراء في الوبائيات والإحصاء الحيوي والصحة العامة والمعلوماتية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والهندسة الطبية وإدارة الجودة وسلامة المرضى. ويحتاج كذلك إلى اختصاصيي التغذية والصحة النفسية والعمل الاجتماعي الصحي وإلى فرق مكافحة العدوى والصحة البيئية والطب المهني والصحة المدرسية وصحة المجتمع وإلى كوادر مؤهلة في الصيانة الطبية والهندسة والتعقيم وإدارة النفايات الطبية وسلاسل الإمداد والأدوية والمخازن والنقل الطبي والاستجابة للكوارث. هذه ليست وظائف ثانوية تحيط بالطبيب وإنما حلقات أساسية في صناعة الصحة. فالطبيب لا يعمل في فراغ والممرض لا يستطيع تعويض غياب التجهيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى