كتاب الرائ

النظام الصحي الليبي بين الترقيع وإعادة البناء

د.علي المبروك أبوقرين

إعادة بناء النظام الصحي في ليبيا لا تبدأ من ترميم مستشفى ولا من شراء جهاز ولا من زيادة عدد الأسرة أو الأطباء ولا بتشكيل اللجان وكثرة الهيئات والمؤسسات والأجسام وإنما تبدأ من أي نظام صحي نريد أن نبني ولأي إنسان وبأي فلسفة وبأي قدرة على حماية الحياة؟ فالنظام الصحي ليس مباني وأجهزة وأدوية وأطباء متناثرين وإنما كيان وطني حي له فلسفة وأهداف ومعايير وسعة وكوادر وتمويل وحوكمة ورقمنة وسلاسل إمداد ومسارات إحالة وبحث وتعليم واستعداد للطوارئ والأوبئة تعمل جميعها كأعضاء جسد واحد غايتها ألا ينتظر الإنسان المرض حتى يبدأ النظام في البحث عنه، وإنما أن يستبق المرض ويمنعه ويتنبأ به ويكتشفه مبكراً ويعالجه بكفاءة ويعيد للإنسان عافيته وقدرته على الحياة. ليبيا وهي دولة يقارب سكانها سبعة ملايين نسمة وتمتلك ثروة وطنية طبيعية قادرة على تمويل مشروع حضاري طويل المدى، لا تحتاج إلى نظام صحي على قدر ما اعتادت عليه من إمكانات، وإنما إلى نظام يليق بما يمكن أن تكون عليه. إن الثروة الوطنية ليست مجرد مورد للإنفاق، وإنما أداة لبناء رأس المال الإنساني وسيادة الدولة وأمن المجتمع ومستقبل الأجيال. ولذلك ينبغي أن يكون تمويل الصحة مستقراً ومستداماً في حدود لا تقل عن 15% من الدخل القومي، بعيداً عن تحويل المرض إلى فاتورة شخصية، وبعيدا عن التأمين الصحي وعن الدفع المباشر من جيوب المواطنين، وعن أي نموذج يجعل الحق في العلاج تابعاً للقدرة الشرائية. ولسبعة ملايين إنسان ينبغي أن تُبنى السعة السريرية والصحية على علم السكان والمرض والطوارئ والكوارث وليس على القرارات العشوائية ويمكن أن يكون المستهدف الوطني في حدود 35 ألف سرير موزعة وفق الخريطة الديموغرافية والوبائية ومستويات الرعاية، مع مرونة تسمح بالتوسع السريع أثناء الأزمات. ويحتاج النظام إلى كتلة بشرية قادرة على تشغيله فمعيار يقارب 4.7 طبيب لكل ألف نسمة يعني نحو 32,900 طبيب، ومعيار يقارب 12 من كوادر التمريض لكل ألف يعني نحو 84 ألفاً، لكن العدد وحده لا يصنع نظاماً صحياً فالكفاية الحقيقية هي اجتماع العدد مع الكفاءة والكفاءة مع المهارة والمهارة مع الممارسة الآمنة والنتائج القابلة للقياس. ومن هنا يجب أن تُبنى ليبيا الطبية على هرم مهني حقيقي قمته استشاريون وأخصائيون ذوو تدريب عميق واعتماد مهني متقدم، خصوصاً في الأورام وجراحات الأورام والقلب والعناية المركزة والغدد والسكري والأمراض المناعية والنادرة والمعقدة والمعدية والصحة النفسية والصحة العامة والرعاية الأولية. وتتحول البعثات من وسيلة للحصول على الشهادات إلى مشروع وطني لاستيراد المعرفة وتوطينها، عبر الجامعات والمراكز الأكاديمية والمستشفيات المرجعية العريقة، ثم إعادة الكفاءات إلى مراكز جامعات ومراكز تميز وطنية تصبح مدارس للطب والتمريض والتخصص والبحث والابتكار. فالاستشاري ليس لقباً وظيفياً، وإنما مستوى موثق من المعرفة والخبرة والمهارة والمسؤولية والنتائج وسلامة المرضى يخضع للتقييم المستمر وتجديد الاعتماد والتطوير المهني. والنظام الصحي الحديث لا ينبغي أن ينتظر المرض في عيادة أو مستشفى إنما يبدأ قبل المرض. الوقاية والرعاية الأولية والصحة الواحدة والصحة الفردية والطب الاستباقي والتنبؤي يجب أن تكون مقدمته الحقيقية. فالبيانات السكانية والجينية والبيئية والسلوكية والسريرية يمكن أن تتحول مع الرقمنة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي والتحليل التنبؤي، من أرشيف للماضي إلى أداة لاستشراف المستقبل واكتشاف مخاطر المرض قبل ظهوره وتحديد الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات، وتوجيه الموارد حيث تكون الحاجة أكبر ودعم القرار السريري. ولهذا يصبح الملف الصحي الإلكتروني الوطني الموحد عصب النظام ترتبط به سجلات الأمراض المزمنة والأورام والأمراض النادرة والمعدية، والمختبرات والتصوير والصيدلة والإحالة والطوارئ، وتعمل فوقه منصات للذكاء الاصطناعي ودعم القرار والإنذار المبكر ومراقبة الدواء والمخزون وجودة الأداء، مع أعلى مستويات حماية الخصوصية والأمن السيبراني. فالمعلومة الصحية اليوم ليست ورقة في ملف إنها مورد استراتيجي ومن يمتلك البيانات الصحيحة في الوقت الصحيح يمتلك القدرة على التنبؤ والاستجابة والإنقاذ. ويجب أن تكون ليبيا مستعدة للكارثة قبل وقوعها وللوباء قبل انتشاره وللطوارئ قبل أن تصبح أزمة. منظومة ترصد وبائي ومختبرات مرجعية وفرق استجابة سريعة ومخزون استراتيجي وقدرات عزل ومستشفيات قابلة للتوسع، وسيناريوهات تشغيل مجربة بحيث يستطيع النظام أن يتوسع في لحظة الخطر دون أن يسقط ما هو قائم من خدمات يومية. الاستعداد ليس خطة طوارئ ملحقة بالنظام وإنما خاصية أصيلة في تصميمه. وفي قلب كل ذلك يجب أن تكون الجودة وسلامة المرضى والعدالة والكفاءة والسرعة والتكامل من الوقاية إلى التشخيص ومن العلاج إلى الجراحة ومن التأهيل إلى الرعاية التلطيفية، ومن التعليم إلى البحث ومن البيانات إلى القرار، ومن المركز الصحي إلى أكثر مراكز التخصص تعقيداً. نظام يعرف أين يوجد المريض وما يحتاج إليه ومن المسؤول عن رعايته ومتى يحال وأين يعالج وكيف تقاس النتيجة. إن ليبيا لا تحتاج إلى نظام صحي كبير فقط وإنما إلى نظام ذكي ورشيق ومتكامل وسريع الاستجابة وعالي الجودة قادر على التعلم والتنبؤ والتكيف نظام صحي لا يستهلك موارده في علاج الفشل الذي كان يمكن منعه، ولا يقيس نجاحه بعدد المرضى الذين عالجهم فقط وإنما بعدد الأمراض التي منعها، والمضاعفات التي تجنبها والأرواح التي أنقذها والسنوات الصحية التي أضافها إلى حياة الإنسان. وهنا يصبح إعادة بناء النظام الصحي إعادة بناء لعلاقة الدولة بالإنسان والثروة تمول الصحة والعلم يصنع الكفاءة والرقمنة تصنع المعرفة، والذكاء الاصطناعي يعزز القرار، والوقاية تسبق المرض والرعاية الأولية تقود المنظومة، والجامعات الحقيقية ومستشفياتها ومراكز التميز تصنع التخصص والبحث يصنع المستقبل والجودة تحمي الإنسان. هذه هي ليبيا التي لا ترقي نظامها الصحي المنهك وإنما تبني نظاماً جديداً من جذوره نظاماً لا يبيع الصحة ولا ينتظر المرض ولا يطارد الأزمات من خلفها وإنما يستشرفها ويستعد لها ويمنعها حيث يمكن منعها. نظاماً يصنع العافية قبل أن يصنع العلاج، ويحمي الإنسان قبل أن يبحث عن سرير، ويجعل الصحة حقاً وطنياً وسيادة إنسانية واستثماراً في مستقبل الأمة. فلا للترقيع وألف لا للتسليع ولا للتفتيت وإنما لبناء نظام صحي ليبي عام  موحد وعادل وشامل ورقمي واستباقي وتنبؤي وآمن ومتكامل وعالمي المعايير نظام يليق بالإنسان الليبي وبثروة ليبيا وبالمستقبل الذي تستحقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى