كتاب الرائ

هندسة النظام الصحي

لا يبدأ إصلاح النظام الصحي بإضافة مبنى إلى مبانينا ولا بزيادة عدد العاملين ولا بإصدار المزيد من القرارات واللوائح وإنما يبدأ من معرفة كيف ينبغي أن يعمل النظام الصحي بوصفه منظومة متكاملة؟ فالصحة ليست مجموعة تخصصات منفصلة ولا مستشفيات وعيادات ومختبرات وصيدليات تعمل كل منها في مسار مستقل وإنما منظومة مترابطة من الإنسان والمهنة والمؤسسة والمعرفة والتدريب والتجهيز والمعلومة والتمويل والحوكمة والجودة والسلامة تتكامل جميعها لحماية صحة الإنسان وتحسينها عبر مراحل حياته. ومن هنا تبرز أهمية هندسة النظام الصحي أي بناء الهيكل الذي يحدد وظائف النظام ومستوياته ومؤسساته ومهنه وتخصصاته ومساراته وموارده وعلاقاته وآليات عمله، ويضع لكل عنصر مكانه ووظيفته وحدوده وعلاقته بالعناصر الأخرى. فكما لا يمكن تشييد بناء متماسك من دون مخطط هندسي يحدد أساساته وأجزائه وأحماله، لا يمكن بناء نظام صحي آمن وفعال من دون أصول علمية ومؤسسية تحدد كيف يعمل ومن يعمل وأين يعمل وبأي كفاءة وتحت أي معيار وكيف تقاس النتائج ويصحح الخلل. وهندسة النظام الصحي لا تعني تحويل الممارسة الطبية إلى لوائح جامدة وإنما تعني تحويل المعرفة العلمية والخبرة المهنية إلى منظومة قابلة للتطبيق والقياس والتحديث منظومة تربط احتياجات السكان وعبء المرض بتخطيط القوى العاملة والمؤسسات والخدمات والتعليم والتدريب والتجهيز والمعلومات والإحالة والاعتماد والتمويل والجودة والسلامة. والنظام الصحي الذي يستحق هذا الاسم هو الذي تبدأ وظيفته قبل ظهور المرض في الرصد والتنبؤ والوقاية وتعزيز الصحة وحماية السكان ويمتد إلى الرعاية الأولية والتشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية طويلة الأمد والرعاية التلطيفية، وتنتظم داخله حركة الإنسان والمعلومة والموارد والخدمة عبر مستويات واضحة ومترابطة. ومن هذا المنطلق تصبح الأصول العلمية للعمل الطبي جزءًا من بناء النظام الصحي نفسه وليس مجرد قواعد لتنظيم ممارسة التخصصات. فهي الإطار الذي يربط المهنة بالمؤسسة والتعليم بالممارسة والتدريب بالكفاءة والصلاحية بالاعتماد والخدمة بالمعيار والقرار بالمعلومة والنتيجة بالقياس والتحسين. لا يمكن بناء نظام صحي متماسك من دون قاموس وطني واضح للمهن والوظائف الصحية. يجب أن يكون لكل مهنة وتخصص ووظيفة مسمى موحد وتعريف دقيق ونطاق ممارسة وصلاحيات ومسؤوليات، ومتطلبات تعليم وتدريب وخبرة وكفاءة، ومسار تصنيف واعتماد وتجديد. فالطبيب ليس مجرد مسمى والممرض ليس مجرد عدد والفني ليس مجرد وظيفة شاغرة، والتخصص ليس شهادة معلقة، لكل منها منظومة من التعليم والتدريب والكفاءة والخبرة والتقييم والاعتماد والتطوير المستمر. ويجب أن يمتد التصنيف إلى المستويات المهنية والعلمية والوظيفية من المبتدئ إلى الممارس المستقل، ومن الاختصاصي إلى الاستشاري، ومن الممارس إلى الأكاديمي والباحث والقائد الطبي، مع منظومة واضحة للامتيازات السريرية. فلا تمنح صلاحية ممارسة إجراء أو خدمة لمجرد الحصول على مسمى وظيفي وإنما وفق تعليم وتدريب موثقين وكفاءة مثبتة وخبرة مناسبة وتقييم دوري. ثم يأتي تصميم المؤسسة الصحية نفسها فالمستشفى ليس مبنى يحتوي على أسرة وأقسام، والمركز الطبي ليس اسمًا يوضع على واجهة، والمجمع الصحي ليس مجموعة عيادات متجاورة. لكل مستوى من مستويات الرعاية وظيفة محددة وسعة وتخصصات وخدمات مساندة وتجهيزات وكوادر ومسارات للمرضى ونظام إحالة ومتطلبات سلامة وجودة ومخرجات يمكن قياسها. ويجب أن تكون هناك معايير واضحة لمراكز الرعاية الأولية ومراكز التشخيص والمستشفيات العامة والمرجعية والتخصصية والجامعية والتعليمية، ومراكز الطوارئ والإنقاذ، ومختبرات الصحة العامة، ومراكز التأهيل والرعاية طويلة الأمد وغيرها، بحيث يعرف كل مستوى ما يستطيع تقديمه وما لا يستطيع تقديمه. كما يجب أن ترتبط السعة بحاجات السكان وعبء المرض وأنماط استخدام الخدمة وليس بالرغبة أو التقدير الإداري. فعدد الأسرة وحجم الطوارئ والعمليات والولادات والعناية المركزة، وعدد الأطباء والتمريض والفنيين والصيادلة والتخصصات المساندة، كلها عناصر يجب أن تخضع لمعايير علمية تراعي الجغرافيا والسكان والقدرة التشغيلية. وجود المرفق أو الموظف لا يعني اكتمال الخدمة المعيار الحقيقي هو القدرة على تقديم الخدمة بأمان وكفاءة وفي الوقت والمكان المناسبين. وكل وظيفة في النظام الصحي يجب أن تكون لها وظيفة حقيقية ومخرجات واضحة. من استقبال المريض وتسجيل بياناته إلى الفحص وأخذ العينات وإجراء التشخيص ووصف الدواء وصرفه ومتابعة العلاج ومن نقل المريض ومراقبة العدوى إلى إدارة الأجهزة والتدقيق السريري وقياس النتائج، لكل فرد دور وحدود مسؤولية ومتطلبات كفاءة وآليات إشراف وتقييم ومساءلة. وهنا تتحول الأصول العلمية إلى منظومة تشغيل تجيب عن ماذا نفعل؟ ومن يقوم به؟ وأين؟ ومتى؟ وكيف؟ وبأي أدوات؟ وتحت أي معيار؟ وكيف نعرف أن النتيجة صحيحة وآمنة وفعالة؟ ولا تنتهي العملية عند وضع المعيار وإنما تبدأ منه دورة مستمرة من التطبيق والقياس والتدقيق والتقييم والتصحيح وإعادة القياس والتحديث. ولا يمكن فصل التعليم عن الممارسة. لكل وظيفة صحية مسار تعليمي وتدريبي واضح، ولكل تخصص برامج معترف بها ومخرجات تعلم وكفاءات أساسية ومتقدمة وتقييم موضوعي وتدريب عملي وسريري حقيقي وتعليم مستمر. والمستشفى التعليمي ليس مجرد مستشفى يحمل اسم الجامعة وإنما بيئة متكاملة للرعاية والتعليم والتدريب والبحث وفق معايير أكاديمية وسريرية واضحة. كما يجب أن تكون الشهادة بداية لمسار مهني مستمر وليس نهايته من خلال الاعتماد وإعادة الاعتماد والامتيازات السريرية المرتبطة بالكفاءة الفعلية. فلكل إجراء مستوى من الخطورة ولكل ممارسة متطلبات ولكل تخصص امتيازات ولكل مؤسسة نطاق خدمات يتناسب مع قدرتها الحقيقية. ولا يمكن إدارة نظام صحي حديث بلا معلومات موثوقة. ولذلك يجب أن تكون البيانات جزءًا أصيلًا من بنيته بسجلات صحية وطبية وسجلات للأمراض والوفيات والولادات والسرطان والأمراض المزمنة والنادرة وبيانات عن استخدام الخدمات والنتائج والمضاعفات والعدوى والأدوية والأجهزة والقوى العاملة. ما لا يقاس لا يمكن إدارته وما لا يسجل لا يمكن مراجعته وما لا يراجع لا يمكن تحسينه. ومن هنا تصبح المعلومات أساسًا للتخطيط وتوزيع الموارد وقياس الأداء واكتشاف الخلل وتوجيه القرار الصحي. والجودة وسلامة المرضى ومكافحة العدوى وإدارة المخاطر والحوكمة السريرية والاعتماد المؤسسي والمهني ليست إدارات تضاف إلى النظام بعد بنائه وإنما مكونات أساسية في طريقة عمله. النظام الجيد ليس الذي يضع المعايير فقط وإنما الذي يستطيع اكتشاف الانحراف عنها وقياس أثره ومعرفة سببه وتصحيحه ومنع تكراره. ولأن النظام الصحي منظومة واحدة فإن هندسته يجب أن تشمل الصيدلة والدواء والمختبرات والأشعة والدم والطوارئ والنقل الطبي والهندسة الطبية والمعلومات الصحية والصحة العامة والتمريض والقبالة والتغذية والعلاج الطبيعي والوظائف النفسية والاجتماعية والتأهيل والرعاية المنزلية وطويلة الأمد، وكل المهن والخدمات التي تؤثر في صحة الإنسان وسلامته. كما يجب أن تقوم العلاقة بين هذه المكونات على إحالة واضحة ومتكاملة متى ينتقل المريض من مستوى إلى آخر ومن يقرر ذلك ومن يستقبله وكيف تنتقل المعلومات وكيف تعود نتائج الرعاية إلى المستوى المحيل، بحيث لا تعمل المؤسسات كجزر منفصلة وإنما كأجزاء من مسار علاجي واحد. المطلوب إذن ليس مجرد تصنيف للتخصصات وإنما خريطة متكاملة للموارد البشرية والمؤسسات والخدمات ومستويات الرعاية ومسارات الإحالة والتعليم والتدريب والاعتماد والامتيازات المهنية والاحتياجات العددية والجغرافية ترتبط بالسكان وخصائصهم الديموغرافية وعبء المرض والجغرافيا والقدرة الفعلية على تقديم الخدمة. وهذه الخريطة لا ينبغي أن تكون ثابتة فالنظام الصحي كائن مؤسسي يتغير مع تغير السكان والمرض والتكنولوجيا والمعرفة والموارد. ولذلك يجب أن تكون السياسات والمعايير قابلة للمراجعة والتحديث كلما تغير الدليل العلمي أو ظهرت تقنيات جديدة أو تغيرت احتياجات المجتمع. والقاعدة التي تختصر هذه الرؤية هي لا وظيفة بلا حاجة حقيقية ولا مسمى بلا توصيف ولا صلاحية بلا كفاءة ولا تخصص بلا تعليم وتدريب ولا امتياز بلا اعتماد ولا مؤسسة بلا قدرة تشغيلية ولا خدمة بلا معيار ولا معيار بلا قياس ولا قياس بلا مساءلة ولا مساءلة بلا تصحيح ولا نظام صحي بلا إحالة متكاملة ومعلومات موثوقة. هذه هي هندسة النظام الصحي أن يعرف كل فرد دوره وكل مؤسسة وظيفتها وكل مستوى حدوده وكل تخصص متطلباته وكل إجراء معاييره وكل نتيجة طريقها إلى القياس والتحسين. وعندها تتحول السياسات من نصوص إلى نظام يعمل والوظائف من مسميات إلى كفاءات والمرافق من مبان إلى مؤسسات قادرة والخدمات من مسارات متفرقة إلى منظومة متكاملة تبدأ قبل أن يولد الإنسان وتحمي صحته طوال حياته وتستجيب لمرضه عند الحاجة وتعيد تأهيله عندما يتعافى وتحفظ كرامته عندما يضعف وترافقه في نهاية حياته بالرعاية والتلطيف. هذه هي الأصول العلمية الحقيقية للعمل الطبي.

د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى