كتاب الرائ

الخدمات الصحية من الجيب في ليبيا إفقار للأمة وانتشار للأمراض وتدمير للقطاع الصحي

ليس من الطبيعي ولا من العدل ولا من المنطق الاقتصادي والاجتماعي أن يدفع المواطن الليبي من جيبه ثمن مرضه في بلد يملك ثروة وطنية هائلة، وعددًا سكانيًا محدودًا، وبنية تحتية صحية قائمة يمكن إعادة تشغيل معظمها وإصلاحها وتطويرها في زمن وتكلفة لا يقارنان بما ينفقه المجتمع اليوم في سوق صحية منفلتة. إن دفع المواطن ثمن الخدمة الصحية من ماله الخاص ليس قدرًا محتومًا، وإنما نتيجة مباشرة لاختيارات وسياسات سمحت بتحويل الصحة من وظيفة أساسية للدولة وحق أصيل للمواطن إلى سوق واسعة تتضخم فيها المصالح وتتداخل فيها الأموال والنفوذ بينما يتحمل المريض وأسرته تكلفة المرض مرتين مرة بفقدان الصحة ومرة بدفع ثمن استعادتها. لقد أدى تسليع الصحة إلى استقطاب الكفاءات والمصالح نحو السوق، واتسعت بصورة غير منضبطة أعداد الصيدليات والمختبرات ومراكز التشخيص والعلاج والتجميل والمصحات وشركات الأدوية والمستلزمات والمعدات، وأصبح النشاط الصحي في كثير من جوانبه محكومًا بمنطق البيع والشراء والترويج والتسويق والمنافسة التجارية. وفي بيئة ضعيفة الرقابة وسلاسل إمداد غير محكمة، تتسع مخاطر الأدوية والمستلزمات المغشوشة والرديئة والمهربة والمقلدة، وتتكاثر الإعلانات والشهادات والدعايات والممارسات التسويقية التي قد تدفع المريض إلى شراء ما لا يحتاج إليه أو دفع ما لا يستطيع تحمله. وهنا ينبغي أن تكون الكلمة واضحة فالصحة ليست سلعة والمرض ليس مشروعًا استثماريًا والمريض ليس مستهلكًا في سوق مفتوحة. المرض يضع الإنسان في حالة احتياج واضطرار ومن ثم فإن الحديث عن حرية المريض في الشراء عندما يكون مريضًا ومحتاجًا ومهددًا في صحته وحياته ليس شبيهًا بحرية اختيار سلعة استهلاكية. المريض يبحث عن النجاة وعن التشخيص وعن الدواء وعن الطبيب وعن المستشفى ولذلك فإن تركه لقوانين السوق في هذه اللحظة يحول الحاجة الإنسانية إلى فرصة تجارية ويحول الألم إلى قدرة على الدفع ويجعل مستوى الرعاية مرتبطًا بمقدار ما يملكه الإنسان في جيبه. وفي ليبيا تحديدًا لا يوجد مبرر واحد لتحويل المرض إلى فاتورة شخصية أو وثيقة تأمين. المواطن الليبي له حق أصيل في منظومة صحية شاملة تبدأ قبل المرض، وتعمل على الوقاية والاستباق والتنبؤ والكشف المبكر والتشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية، وتصل إلى كل إنسان وفي كل منطقة، وفق أعلى معايير الجودة والسلامة والفعالية، ومن خلال كوادر مؤهلة ومدربة وقادرة، وتحت إشراف الدولة وحوكمتها ورقابتها. وهذا يعني بصورة لا تحتمل الالتباس أن الخدمة الصحية العامة للمواطن يجب أن تكون مجانية بالكامل والعلاج يجب أن يكون مكفولًا، وأن المواطن لا ينبغي أن يدفع من جيبه درهم واحد مقابل الرعاية الصحية التي تلتزم الدولة بتوفيرها له. لا عند الطبيب ولا في المستشفى ولا في المختبر ولا في الأشعة ولا في غرف العمليات ولا في خدمات الطوارئ، ولا في علاج الأمراض المزمنة والمعقدة والنادرة، ولا في التأهيل والرعاية الطبية المنزلية والرعاية التلطيفية ولا في الدواء. وحين تتطلب حالة المريض علاجًا غير متوافر داخل البلاد فإن مسؤولية النظام الصحي لا تنتهي عند الحدود، وإنما تمتد إلى توفير العلاج المناسب في الخارج وفق منظومة وطنية منظمة وعادلة.

والأمر لا يتوقف عند تمويل العلاج وإنما يبدأ من إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها. الدولة ليست جهة تشتري خدمات صحية من السوق، ولا وسيطًا بين المريض وشركات التأمين الصحي ولا ممولًا لفواتير متفرقة وإنما هي الجهة المسؤولة عن بناء النظام الصحي الوطني وتمويله وتنظيمه وضمان جودته وسلامته ومساءلته. وعندما تكون الثروة الوطنية هي المصدر الأساسي للدخل العام فإن توجيه جزء كاف منها إلى صحة المواطنين ليس منة ولا إعانة ولا صدقة، وإنما هو تحويل للثروة الوطنية إلى صحة وطنية وللمورد الطبيعي إلى رأس مال بشري، وللإنفاق الصحي إلى استثمار في حياة المجتمع وأمنه واستقراره. ويجب أن يكون الدواء جزءًا من السيادة الصحية. لا يجوز أن تترك الأدوية رهينة سوق مفتوحة متعددة الوسطاء. الدولة مطالبة ببناء سلسلة إمداد دوائي وطنية مغلقة ومحكمة تبدأ من الشراء المباشر المنظم من الشركات العالمية المصنعة أو المصادر المعتمدة، مرورًا بالتسجيل والرقابة والفحص والتخزين والتوزيع، وصولًا إلى المريض، بما يضمن أصالة الدواء وجودته وسلامته واستمرارية توفره وتتبع مساره. فلا مكان في منظومة وطنية مسؤولة للدواء المجهول المصدر أو المهرب أو المقلد أو المغشوش. إن حماية المواطن من الدفع من الجيب أو من خلال وثيقة تأمين صحي لا تعني إلغاء القطاع الخاص وإنما تعني وضع الحدود الفاصلة بين الحق العام للأمة والنشاط التجاري. من اختار العمل الخاص فله مجاله وقواعده ومسؤوليته، لكن لا يجوز أن يتحول الجمع بين الوظيفة العامة والمصلحة التجارية إلى باب لتوجيه المرضى خارج النظام العام أو استنزاف موارده أو تحويل العاملين فيه إلى أدوات للسوق. القطاع العام يجب أن يبقى عامًا، والقطاع الخاص يجب أن يعمل في إطار قانوني واضح، وتمنع تضاربات المصالح بكل صورها، ولا يجوز أن يصبح المواطن مضطرًا إلى شراء ما يفترض أن يحصل عليه حقًا داخل النظام الصحي العام. كما أن مجانية الخدمة لا تعني مجانية بلا جودة. المواطن لا يحتاج إلى خدمة رخيصة أو متاحة شكليًا، وإنما يحتاج إلى خدمة صحية حقيقية آمنة وفعالة وبجودة عالية كما هي عليه في الدول المتقدمةعلميا وطبيا وصحيا. المجانية الحقيقية لا تكون بإلغاء السعر فقط وإنما ببناء نظام قادر على تقديم أفضل ما يمكن تقديمه للمواطن دون أن تتحول قدرته المالية إلى شرط للحصول على الرعاية. إن استمرار الخدمات الصحية من الجيب في ليبيا يعني عمليًا نقل مسؤولية المرض من الدولة إلى الأسرة، وتحويل المرض إلى سبب للإفقار ودفع الأسر إلى الاستدانة وبيع الممتلكات وطلب المساعدة والتبرعات، بينما تستنزف الدولة ملياراتها في مسارات غير قادرة على بناء نظام صحي متماسك. وهذه ليست مجرد مشكلة مالية إنها قضية عدالة وصحة عامة وأمن صحي وكرامة إنسانية. لذلك يجب أن تكون الرسالة واضحة فلا يجوز أن يكون المال معيارًا للحصول على العلاج في ليبيا. ولا يجوز أن يتحول المرض إلى قدرة شرائية. ولا يجوز أن يصبح الطبيب أو المستشفى أو الدواء بابًا لإفقار المريض. المواطن لا يدفع ثمن حقه في الصحة، كما لا يدفع ثمن حقه في الأمن أو العدالة أو التعليم العام. الدولة التي تملك الثروة وتملك المؤسسات والبنية التحتية والكوادر قادرة على بناء نظام صحي وطني قوي والمطلوب ليس اختراع دولة جديدة وإنما إصلاح ما تعطل واستعادة ما فُقد وإعادة توجيه الموارد ووضع الصحة في مكانها الصحيح باعتبارها وظيفة سيادية وحقًا أصيلًا. إن ليبيا ليست في حاجة إلى سوق تتاجر في أمراض الناس ولا تأمين صحي لا يعزز صحة ولا يمنع أو يعالج مرض وإنما تحتاج إلى نظام صحي يحمي الناس من المرض قبل وقوعه ويكتشفه مبكرًا ويعالجه مبكرًا ويضمن للمريض علاجه أينما كان داخل البلاد أو خارجها دون أن تتحول ثروته أو فقره إلى معيار لبقائه أو شفائه. الصحة حق وليست سلعة والعلاج حق وليس فاتورة والدواء حق وليس تجارة مفتوحة والمواطن الليبي لا ينبغي أن يدفع من جيبه ثمن مرضه. هذه هي وظيفة الدولة، وهذا هو معنى العدالة الصحية، وهذه هي إحدى أبسط صور تحويل الثروة الوطنية إلى حياة صحية ورفاهية. وعندما يفشل النظام في ذلك ويجبر المريض على الدفع من جيبه أو يركض وراء وثيقة تأمين صحي رغم قدرته على تمويل نظام عام شامل فإن المشكلة لا تعود مجرد عجز إداري أو نقص في الموارد وإنما تصبح انحرافًا في وظيفة الدولة وإهدارًا لحق المجتمع وتدميرًا للقطاع الصحي نفسه.

د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى