كتاب الرائ

من يدير المؤسسة التي تدير صحة الناس؟

د.علي المبروك أبوقرين

إدارة المرافق الصحية ليست وظيفة شرفية ولا منصبا إداريا يملأه من يحمل درجة وظيفية أو من يشغل موقعا قياديا بحكم الأقدمية أو الانتماء المهني، وليست المستشفى أو المركز الصحي مبنى كبيرا يحتاج إلى شخص يوقع المراسلات وينظم الحضور والانصراف، إنما المؤسسة الصحية منظومة شديدة التعقيد تلتقي فيها حياة الإنسان مع العلم والمال والقانون والتقنية والمجتمع والأخلاق والسلامة العامة، ولذلك فإن إدارة المرفق الصحي علم مستقل له أصوله ومعارفه ومهاراته ومساراته المهنية التي لا يجوز اختزالها في المهنة الطبية وحدها. وقد يكون المدير ذا خلفية طبية وهذا أمر مهم ومفيد في كثير من السياقات لأنه يفهم لغة الممارسة السريرية وطبيعة المرضى واحتياجات الفرق الطبية ومسارات الرعاية، لكن الطب وحده لا يصنع مديرا صحيا، كما أن الطبيب الممتاز قد يكون مديرا ضعيفا إذا لم يمتلك علما حقيقيا بالإدارة الصحية، وقد يكون تكليفه بالإدارة في بعض الحالات خسارة لكفاءة طبية تخصصية كان المجتمع أحوج إليها من تحويل صاحبها إلى وظيفة إدارية لم يتأهل لها. إدارة المرفق الصحي تحتاج إلى إنسان يفهم المؤسسة باعتبارها نظاما متكاملا يعرف كيف يخطط ويضع الأهداف ويقيس النتائج ويقرأ المؤشرات ويحلل التكاليف ويضبط الموازنات ويدير الموارد البشرية ويضع الهياكل والصلاحيات ويطبق الحوكمة ويعرف التشريعات الصحية وحقوق المرضى وواجبات العاملين ويجيد الإدارة المالية والحسابات والمخازن والمشتريات والإمداد والتموين وإدارة الأصول والصيانة وإدارة العقود والتقنيات الصحية ويعرف كيف يضمن استمرارية الخدمات الحيوية ولا يسمح بانقطاع الدواء أو المستلزمات أو الكهرباء أو المياه أو خدمات المختبر والتشخيص. وهو مطالب كذلك بفهم إدارة المخاطر والجودة وسلامة المرضى ومكافحة العدوى والنفايات الطبية والأمن والسلامة والاستعداد للطوارئ والاستجابة للكوارث والأوبئة والحروب وحالات النزوح والانقطاع المفاجئ للخدمات، وأن يمتلك قدرة حقيقية على بناء مؤسسة مرنة تستطيع الاستمرار عندما تتعرض البيئة المحيطة للاضطراب. ولا تكتمل هذه الكفاءة من دون معرفة بالإحصاء الصحي وتحليل البيانات وقياس الإنتاجية والكفاءة والفعالية ومؤشرات الأداء الوظيفي والفني والسريري ورضا المرضى وتجربة المستفيدين ومعدلات العدوى والمضاعفات وإعادة الدخول والوفيات وقوائم الانتظار واستخدام الأسرة واستغلال الموارد وغيرها من المؤشرات التي تجعل الإدارة قائمة على الدليل لا على الانطباع. كما يحتاج مدير المرفق الصحي إلى مهارات القيادة والتواصل والتفاوض وإدارة الفرق وحل النزاعات والتعامل المؤسسي مع السلطات والمجتمع والجهات الرقابية والموردين والشركاء والإعلام عند الضرورة، مع وعي عميق بالفلسفة الصحية التي تجعل المرفق وسيلة لحماية الإنسان وصناعة الصحة وليس مجرد مكان لتقديم الخدمة بعد وقوع المرض. ولهذا يجب أن تصبح إدارة المرافق الصحية في ليبيا مسارا مهنيا منظما له شروط دخول واضحة وتأهيل أكاديمي وتدريب عملي واعتماد مهني وسجل خبرة وتدرج وظيفي ومسؤوليات وصلاحيات ومساءلة مرتبطة بالنتائج، من مدير وحدة ومركز ومستوصف ومرفق رعاية أولية إلى مدير مجمع طبي ومستشفى عام أو تخصصي أو مرجعي ومركز تشخيص أو تأهيل أو رعاية تلطيفية، مع الفصل الواضح بين إدارة المرافق الصحية الخدمية وبين إدارة المستشفيات الجامعية والتعليمية والمراكز البحثية التي لها طبيعة أكاديمية وعلمية مختلفة تتطلب معايير أخرى. ولا يعني ذلك إقصاء الطبيب من الإدارة وإنما يعني احترام التخصصين معا، فالطب علم رعاية الإنسان والإدارة الصحية علم تنظيم المنظومة التي تجعل هذه الرعاية ممكنة وآمنة ومستدامة، وقد يجتمع العلمان في شخص واحد وهذا هو النموذج الأفضل عندما تقترن الخلفية الطبية بتأهيل عميق في الإدارة الصحية، لكن لا يجوز أن يكون أحدهما بديلا عن الآخر. إن المرفق الصحي الناجح لا يحتاج إلى مدير يملك سلطة التوقيع فقط وإنما إلى قائد يعرف كيف يحول الموارد إلى خدمة والبيانات إلى قرار والأنظمة إلى ممارسة والمخاطر إلى استعداد والأخطاء إلى تعلم والميزانية إلى قيمة صحية والكوادر إلى فريق يعمل في اتجاه واحد، ولذلك فإن إصلاح النظام الصحي يبدأ أيضا من إعادة تعريف من يدير مؤسساته، فالمؤسسة التي تعهد بإدارة التعقيد إلى غير المؤهلين تدفع ثمن ذلك من المال والوقت والكفاءة وأحيانا من حياة المرضى، أما الدولة التي تريد بناء نظام صحي حديث فعليها أن تجعل إدارة المرافق الصحية مهنة علمية محترمة لها معاييرها ومدارسها ومساراتها وسلالمها الوظيفية، وأن تختار المدير على أساس الكفاءة والاختصاص والخبرة والقدرة على الإنجاز وليس على أساس المسمى أو الأقدمية أو النفوذ، لأن جودة المرفق تبدأ من جودة إدارته، وسلامة المريض تبدأ من سلامة النظام الذي يديره، وصحة المؤسسة الصحية لا يمكن أن تكون أفضل من عقل إدارتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى