الصحة فكرة وخريطة نجاة

الصحة ليست قطاعًا يُدار ولا خدمة تُقدّم ولا سوقًا يُنظم، هي فكرة كبرى تختبر صدق الدولة في تعريف الإنسان، واختبار أخلاقي لمدى التزامها بحماية الحياة بوصفها القيمة العليا. وحين تختل هذه الفكرة يتشظّى كل شيء وتتفكك المؤسسات وتتنازع الصلاحيات، وتتحول الموارد إلى غنائم، ويغدو المرض بابًا مفتوحًا للاستثمار بدل أن يكون جرس إنذار للوقاية. إن أول شروط النجاة هو وحدة النظام الصحي، وحدة في القرار والمرجعية والقيادة، وفي سلسلة القيمة كاملة من الوقاية إلى العلاج إلى التأهيل. فالتجربة علّمتنا أن تعدد الهيئات والأجسام الموازية لا يعني تعددية صحية إنما يعني تشتيتًا للسلطة وتضاربًا في السياسات وهدرًا في الموارد، وخلق مراكز قوة متصارعة داخل الجسد الواحد. النظام الصحي لا يحتمل الازدواجية لأن صحة الإنسان لا تُدار بمنطق الجزر المعزولة إنما بمنطق الكيان الواحد المتكامل الذي يعرف ماذا يفعل ولماذا ولمن. ومن هنا يصبح تفكيك الامبراطوريات الصحية الموازية ضرورة أخلاقية لأن كل كيان منفصل يقتطع جزءًا من القرار العام ويحوله إلى نفوذ خاص، يضعف القدرة على التخطيط الشامل ويقوض مبدأ العدالة في توزيع الخدمات. إن النظام الصحي القوي لا يُقاس بعدد مؤسساته إنما بمدى انسجامها تحت قيادة واحدة واضحة ومسؤولة أمام المجتمع. أما التمويل فهو مرآة الفلسفة وليس مجرد أداة تشغيل. حين تُمول الصحة من الخزينة العامة، فإن الدولة تعلن بوضوح أن حياة مواطنيها ليست سلعة، وأن المرض ليس فرصة ربح، وأن الوقاية استثمار سيادي لا مجال للمساومة فيه. أما حين يُفتح الباب لبدائل تمويلية طفيلية تعيش على المرض، فإننا نُعيد تعريف الصحة من حق إلى خدمة ومن واجب إلى فرصة، ومن حماية إلى تجارة. والنتيجة الحتمية هي اتساع الفجوة، وتحول الألم الإنساني إلى سوق. وفي هذا السياق يصبح من الضروري إعادة رسم الحدود بوضوح، إن النظام الصحي العام ليس ساحة للشراكات الربحية ولا مجالًا للمنافسة التجارية، ولا بيئة للاستثمار القائم على المرض. إنه مسؤولية سيادية مباشرة، خاصة في الدول الغنية والريعية التي تملك من الموارد ما يكفي لبناء نظام صحي عادل وكفء دون الحاجة إلى شركاء يتغذون على الاختلالات. إن الزعم بأن القطاع الخاص شريك أو مكمل يخفي في جوهره تناقضًا بنيويًا، فبينما يسعى النظام العام إلى تقليل المرض ومنعه، يقوم النشاط الربحي على استمراره. وبينما تهدف السياسات الصحية إلى الوقاية، يقوم السوق على الطلب. وبينما تُبنى الدولة على العدالة، يقوم الاستثمار على الانتقاء. وهذا التناقض إن لم يُحسم يتحول إلى تضارب مصالح يفتك بالنظام الصحي من الداخل، ويخلق ازدواجية في الولاء بين المريض كإنسان والمريض كزبون. ومن أخطر تجليات هذا الاضطراب هو تحرير سوق الصحة والدواء بلا ضوابط سيادية صارمة حيث تتفلت الأسعار وتضطرب الجودة، وتُفتح الأبواب أمام الاحتكار غير المنضبط، وتتحول سلاسل الإمداد إلى شبكات مصالح متشابكة لا تخضع لرؤية وطنية موحدة. إن احتكار الدولة للدواء وسلاسل الإمداد الاستراتيجية ليس نزعة تسلطية إنما إجراء حمائي لضمان الأمن الصحي ومنع التلاعب وتحقيق العدالة في الوصول. كما أن سوق الشهادات والتضخم غير المنضبط في التأهيل الصحي يضيف طبقة أخرى من الخطر، حين يتحول العلم إلى ورقة، والكفاءة إلى لقب، فتُبنى المنظومة على مظهر المعرفة لا على جوهرها ومضمونها، ويُترك المريض في مواجهة نظام لا يضمن الحد الأدنى من الثقة. إن الصحة بوصفها خريطة نجاة لا تحتمل أنصاف الحلول. هي مشروع دولة وليس مشروع قطاع. وهي التزام شامل يفرض على السياسات العامة في كل المجالات من التعليم إلى البيئة إلى الغذاء إلى التخطيط العمراني أن تنحاز للحياة. وهي أيضًا اختبار لقدرة الدولة على فرض رؤيتها الصحية على جميع مناحي الحياة، لا أن تتركها رهينة للسوق أو التوازنات المؤقتة. ولا يمكن بناء نظام صحي عادل وفعال دون حسم هذه الأسئلة الكبرى، من يملك القرار؟ ومن يمول؟ ومن يستفيد؟ ولأي غاية؟ فإذا كانت الإجابة الدولة الموحدة، والتمويل العام، والإنسان والحياة عندها فقط تتحول الصحة من أزمة مزمنة إلى مشروع نجاة، ومن عبءٍ على الدولة إلى دليل على عدالتها، ومن سوق مضطرب إلى عهد أخلاقي يحمي الإنسان لأنه إنسان يستحق الحياة بكرامة وصحة وعافية ورفاه.
د.علي المبروك أبوقرين




