السبيتار ما قبله وما بعده

في ليبيا لم يكن الطب يومًا مجرد مهنة ولا كانت الصحة مجرد خدمة. كانت في زمن ليس ببعيد حكاية تُروى بلسان الناس وليست بكتب الجامعات. حكاية تبدأ من الألم وتمر عبر السبيتار، وتنتهي غالبًا بكلمة إيطالية تُقال بلهجة ليبية خالصة لكنها تحمل معنى النجاة. لم يكن الليبي يقول مستشفى إنما يقول سبيتار. ولم يكن ذلك عجزًا لغويًا إنه كان انعكاسا لواقع لم يعرف من الطب إلا ما جاءه مع الآخر. فالكلمة لم تكن غريبة بقدر ما كانت حقيقية. كانت المكان الوحيد الذي يُقصد حين يشتد الوجع، والباب الذي يُطرق حين تضيق السبل. في تلك المرحلة لم تكن المصطلحات الطبية العربية قد ترسخت في الوعي الشعبي، فتسللت اللغة الإيطالية إلى تفاصيل الحياة اليومية ليست كهوية إنما كأداة فهم. فكانت السرنجة لحظة ألم يتبعها أمل، والسبيريتو رائحة العلاج الأولى، والشروبو طقسا يوميًا، والبندشيتي خوفًا يُتداول بين الناس وكأنه حكم لا مفر منه. أما السوريلا فلم تكن مجرد ممرضة بل كانت وجه الرحمة في مكان مجهول، وصوت الطمأنينة في غرفة باردة. وعندما يُسمع صوت الامبولانصا، كان الصفير يسبق الفهم ويعلن أن الحياة ما زالت تقاوم. وفي زاوية أخرى من الذاكرة كان هناك اسم لا يُنسى كروتشا روسو. لم يكن مجرد ترجمة للصليب الأحمر إنما كان رمزًا شعبيًا للنجدة. اسم أجنبي نعم لكنه كان يعني ببساطة أن هناك من سيأتي حين لا يأتي أحد. تلك المفردات لم تكن كلمات عابرة إنها كانت نظامًا صحيًا بدائيًا مكتملًا في وجدان الناس. نظام بلا سياسات وبلا خطط وبلا وزارات لكنه كان قائمًا على التجربة وعلى ما تبقى من أثر، وعلى ذاكرة تحفظ ما ينقذ الحياة. ورغم قسوة الاستعمار وغرابة المفردات وشح الخدمات والإمكانات، إلا أن تلك المرحلة بكل تناقضاتها كانت تحمل في طياتها بارقة أمل. فقد أيقظت وعيًا خفيًا بأن العلاج ليس قدرًا عشوائيًا إنه حق يمكن تنظيمه وبناؤه. ثم تغيّر الزمن. وجاءت الدولة وجاءت الاستقلالات وجاء النفط وجاءت الوفرة. وبدأت الكلمات تتبدل المستشفى بدل السبيتار، والحقنة بدل السرنجة، والممرضة بدل السوريلا. وكبر الحلم واتسعت البنية وتعددت المؤسسات. كان الأمل أن تتحول تلك البدايات إلى نظام صحي وطني خالص يُكتب بلغته العربية ويُدار بعقله المحلي وتدعمه إمكانيات دولة تعرف قيمة الإنسان. كان الحلم أن تصبح الصحة حقًا راسخًا وليس تجربة عابرة، وأن تتحول السبيتار إلى مجرد ذكرى. لكن شيئًا ما انكسر في الطريق. ولم تعد المشكلة في اللغة إنما في المعنى. ولم تعد الكلمات الأجنبية هي الغريبة إنما أصبحت المفاهيم نفسها غريبة عن واقعها. صار لدينا نظام صحي في الخطاب، لكن ليس دائمًا في الواقع. وأصبحت المباني قائمة لكن الثقة غائبة. واليوم قد لا يقول الليبي سبيتار لكنه قد يهاجر بحثًا عن علاج. وقد لا يستخدم سرنجة لكنه قد يشك في كل دواء. وقد لا يعرف السوريلا لكنه يعرف جيدًا أن الطمأنينة لم تعد مضمونة. وهنا تكمن المفارقة القاسية ففي الماضي كانت الكلمات غريبة لكن التجربة كانت صادقة واليوم الكلمات مألوفة لكن الحقيقة مهتزة. ورغم كل ذلك يبقى الأمل قائمًا كما كان دائمًا. الأمل في أن لا تعود ليبيا إلى ما قبل السبيتار إلى زمن بلا نظام وبلا مرجعية وبلا أفق. الأمل في أن تُستعاد الفكرة وليس الكلمة وأن يُبنى المعنى وليس الشكل. إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد إصلاح لغوي أو إداري، إنما إعادة تأسيس كاملة لمفهوم الصحة كحق وقيمة وسيادة. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في تراجع الخدمات فحسب إنما في احتمال السقوط إلى ما قبل البداية إلى زمن يُترك فيه الإنسان لقدر المرض، وتُدار فيه الصحة بالاجتهاد لا بالمنظومة. إن الاستمرار في هذا المسار ليس تأجيلًا للأزمة إنما تعميق لها. والقبول به ليس واقعية إنه تنازل عن أبسط حقوق الحياة. ليبيا لا ينقصها المال ولا التاريخ ولا التجربة. ما ينقصها هو القرار. إما أن تُبنى منظومة صحية حقيقية حديثة وعادلة تليق بإنسانها وتحمي مستقبلها، أو يُترك المجال للفوضى لتُعيد تعريف الحياة والموت. ولن يكون هناك وطن إذا عاد الإنسان فيه إلى ما قبل السبيتار.
د.علي المبروك أبوقرين






