كتاب الرائ

الغذاء والدواء والصحة والمرض

في العالم المعاصر تتشابك المصالح وتتداخل العلوم مع الأسواق ولم يعد الغذاء مجرد حاجة بيولوجية تحفظ البقاء إنما أصبح أحد أعمدة الاقتصاد العالمي وقوة خفية تعيد تشكيل الصحة والمرض معًا، ولم يعد السؤال ماذا نأكل والاصح ماذا يفعل بنا ما نأكل. لقد تحولت صناعة الغذاء عبر عقود من التطور الصناعي والتكنولوجي إلى منظومة اقتصادية هائلة تُقدر قيمتها عالميًا بأكثر من عشرة تريليونات دولار سنويًا، وهذا الرقم لا يعكس فقط حجم الإنتاج إنه يعكس عمق التأثير الذي يصل إلى الخلية والأيض والجينات ومسار الصحة ذاته، وفي هذا السياق لم يعد الغذاء مجرد طاقة إنما أصبح مدخلًا بيولوجيا يعيد برمجة الجسد ببطء. إن الأغذية فائقة المعالجة الغنية بالسكريات المضافة والدهون الصناعية والمواد الحافظة والنكهات المصنّعة لم تأت لتسد الجوع بل لتُطيل مدة الصلاحية وتُعزز الإدمان الحسي وتزيد من الاستهلاك، وهنا تبدأ  قصة التحول الصامت من تغذية الإنسان إلى تحفيز استهلاكه، ومع هذا التحول بدأت ملامح المرض تتغير، فلم تعد الأمراض الحادة والمعدية هي التحدي الأكبر إنما صعدت الأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب والسرطان والسمنة لتصبح السمة الغالبة لعصرنا، وهذه الأمراض في جوهرها ليست مفاجئة إنما متوقعة، فهي نتيجة تراكمات يومية تبدأ من طبق الطعام وتتفاقم عبر نمط حياة خامل وبيئة مثقلة بالملوثات وضغوط نفسية مستمرة. وإذا أردنا توسيع زاوية الرؤية أكثر فإن القصة لا تبدأ عند التصنيع الغذائي فقط إنها تمتد إلى ما قبله، إلى الزراعة نفسها التي لم تعد كما كانت، إذ تحولت هي الأخرى إلى صناعة تُدار بمنطق الإنتاجية وليس بمنطق الطبيعة، حيث أصبحت كثير من المحاصيل معدلة جينيًا وغير موسمية وتُزرع خارج سياقها الزمني الطبيعي، وتُغذى بالأسمدة الكيميائية وتُحمى بالمبيدات، في محاولة لتعظيم الغلة وتسريع الدورة الإنتاجية. وبالمثل لم تعد الثروة الحيوانية تُربى في بيئاتها الطبيعية فأصبحت في كثير من الأحيان جزءًا من خطوط إنتاج مغلقة، من الأسماك إلى الدواجن إلى الأبقار، تُربى في مزارع كثيفة، وتُغذى على أعلاف مصنّعة وتُستخدم فيها الهرمونات والمضادات الحيوية والمكملات لتعزيز النمو وتسريع الإنتاج. وهكذا، فإن ما يصل إلى طبق الإنسان ليس مجرد غذاء، فهو نتيجة سلسلة صناعية طويلة تبدأ من التربة والماء والعلف وتمر عبر المعمل والمزرعة المغلقة، قبل أن تنتهي في منتج يبدو بسيطًا لكنه محمل بتعقيدات بيولوجية وصحية عميقة. وهنا تتكشف العلاقة الأكثر خطورة فكلما زادت كثافة الغذاء المصنّع ارتفع مؤشر المرض المزمن، ومع ارتفاع المرض تبدأ صناعة أخرى في التمدد، إنها صناعة الدواء، التي تُقدر قيمة سوقها عالميًا بما يتجاوز 1.9 تريليون دولار سنويًا مع معدلات نمو متسارعة، وهذا النمو لا يأتي من فراغ إنه يتغذى بشكل مباشر أو غير مباشر على نفس المنظومة التي تنتج المرض، ولسنا أمام مؤامرة بقدر ما نحن أمام حلقة اقتصادية مكتملة، غذاء يُنتج بآليات صناعية لتعظيم الربح ويساهم جزئيًا في رفع معدلات المرض، ومرض يحتاج إلى إدارة طويلة الأمد، وإدارة تُغذي سوق الدواء، وسوق الدواء يعيد تدوير المرض كحالة مزمنة وليس كهدف للمنع. وفي هذه الحلقة لا يُطلب من الإنسان أن يكون صحيحًا إنما أن يكون قابلًا للإدارة، وهنا يكمن الخلل الفلسفي العميق، فقد انتقلنا من نموذج الوقاية إلى نموذج الإدارة ومن صناعة الصحة إلى إدارة المرض، ولم يعد النجاح الصحي يُقاس بانخفاض المرض بل بكفاءة التعامل معه، لكن الحقيقة التي لا يجب أن تضيع وسط هذا الضجيج هي أن الصحة ليست نتيجة دواء إنها نتيجة نمط حياة، وأن الدواء في أفضل حالاته يُبطئ المسار لكنه نادرًا ما يعيد الأصل. إن الجسد البشري لم يُصمّم ليتعامل مع هذا الكم من المدخلات الصناعية ولا مع هذا القدر من العزلة الحركية ولا مع هذا الضغط النفسي المزمن، إنه كيان بيولوجي دقيق يحتاج إلى غذاء حقيقي بسيط وقريب من طبيعته وحركة يومية تحافظ على توازنه ونوم يعيد ترميمه وبيئة نظيفة تحميه وهدوء نفسي يمنحه الاتزان، وحين يُحرم من هذه الأسس لا ينهار فجأة إنما يتآكل ببطء، وهنا تظهر المفارقة الأكثر قسوة، فالعالم يستثمر تريليونات في علاج ما يمكن منعه ولا يستثمر بالقدر الكافي في منع ما لا ينبغي أن يحدث. إن إعادة التوازن لا تتطلب معجزة فهي تتطلب إعادة ترتيب الأولويات وأن يتحول الغذاء من سلعة إلى ثقافة ومن منتج إلى مسؤولية ومن صناعة للربح إلى صناعة للحياة، وأن تعود الصحة إلى مكانها الطبيعي كقيمة إنسانية وليس كفرصة سوقية حينها فقط يمكن أن تنكسر الحلقة ويبدأ الإنسان في استعادة ما فقده بصمت، صحته وكرامته ومعنى أن يعيش لا أن يُدار.

د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى