النظم الصحية بين عبء المرض وفرصة الوقاية

د.علي المبروك أبوقرين
كيف يمكن لعالم يمتلك هذا الكم من المعرفة الطبية، أن يستمر في إنفاق أغلب موارده على علاج أمراض كان بالإمكان تفاديها؟ وكيف لنظم صحية تُنفق أكثر من 70% من ميزانياتها على المستشفيات، وتُوظف النسبة ذاتها من كوادرها داخلها، أن تدعي أنها تبني الصحة وهي في الواقع تُدير المرض؟ المفارقة ليست في الأرقام إنها في الفلسفة. تشير المؤشرات الصحية العالمية إلى أن ما بين 60% إلى 80% من الأمراض يمكن الوقاية منها أو تأخيرها عبر تدخلات معروفة بأنماط حياة صحية، وبيئات معيشية سليمة، وتوعية فعالة، وكشف مبكر. وفي المقابل تُظهر نفس المؤشرات أن نسبة من يُصابون بالأمراض في أي مجتمع، غالبًا ما تتراوح بين 10% إلى 30% من السكان، وغالبًا لا تتجاوز 20% في أغلب الأوقات. ومع ذلك تُبنى النظم الصحية كما لو أن المجتمع بأكمله مريض، وتُوجه الموارد كما لو أن العلاج هو البداية والنهاية. هنا يتجلى الخلل البنيوي نظام يُنفق على النتائج ويُهمل الأسباب. ويعالج ما كان يمكن منعه، ويُطارد ما كان يمكن تجنبه. إن الأمراض الأكثر شيوعًا اليوم هي أمراض القلب والسكري والسمنة، وبعض السرطانات، والأمراض التنفسية، ليست أحداثًا مفاجئة، إنما هي حصيلة تراكمات طويلة من سلوكيات غذائية، وقلة حركة، وضغوط نفسية، وبيئات ملوثة، وثقافة صحية محدودة. ومع ذلك فإن التوجه الطبي السائد لا يزال يميل إلى التخصصات الإكلينيكية التي تتعامل مع هذه النتائج، بينما تبقى التخصصات التي تحمي المجتمع الصحة العامة، وطب الأسرة، والطب الوقائي، وطب المجتمع في هامش الاهتمام. ليس لأن أهميتها أقل إنما لأن فلسفة النظام لم تُعدل بعد. إن إعادة التوازن تبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة وعميقة وهي كل دولار أو دينار يُنفق على الوقاية يوفر أضعافه في العلاج. لكن الوقاية ليست حملة توعوية عابرة، هي منظومة متكاملة تبدأ من التعليم حيث تُبنى الثقافة الصحية منذ الطفولة. وتمتد إلى الإعلام الذي يجب أن ينتقل من الإثارة إلى التثقيف. وتصل إلى التخطيط الحضري حيث تُصمم المدن لتشجع الحركة وتكافح الخمول والكسل، وتوفر الهواء النقي وتمنع التلوث. وتشمل السياسات الغذائية التي تحمي الناس من استهلاك ما يضرهم قبل أن تعالجهم مما أصابهم. وفي قلب هذه المنظومة، تقف الرعاية الصحية الأولية، ليس كمدخل بسيط للنظام إنما كخط الدفاع الأول والأكثر كفاءة، والأقل تكلفة، والأعلى تأثيرًا. لكن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل دون إعادة توزيع الموارد حين يُعاد توجيه الإنفاق من المستشفيات إلى المجتمع، ومن العلاج إلى الوقاية، ومن التخصصات الدقيقة فقط إلى التخصصات الحامية للصحة يتغير شكل النظام بالكامل. ويجب أن يواكب ذلك إعادة هيكلة الدرجات الوظيفية، بحيث لا يبقى من يعمل في الوقاية أقل تقديرًا ممن يعمل في العلاج. وتعديل جداول المرتبات، لتعكس قيمة منع المرض وليس فقط علاج المرض. وإعادة الاعتبار العلمي والمهني للتخصصات الأمامية، التي تقف في خطوط الدفاع الأولى. إن ما يبدو اليوم تكلفة إضافية في الوقاية، هو في الحقيقة استثمار طويل الأمد في تقليل في معدلات المرض، وانخفاض في الحاجة إلى الأسرة السريرية، وتراجع في الإنفاق العلاجي، وارتفاع في الإنتاجية، وزيادة في متوسط العمر. وهذا ما نراه في الدول التي نجحت في هذا التحول، حيث لم يرتفع متوسط أعمار السكان صدفة، إنما نتيجة سياسات صحية جعلت من الوقاية أسلوب حياة. والمسألة ليست أن نعالج المرض بكفاءة أعلى،إنما أن نمنع حدوثه من الأصل حيثما أمكن. وليست أن نزيد عدد المستشفيات بل أن نقلل الحاجة إليها. وليست أن نُحسن إدارة الأزمة ولكن أن نُحسن منعها. حين نفهم أن الصحة تُصنع خارج المستشفى أكثر مما تُستعاد داخله، نكون قد بدأنا التحول الحقيقي. وحين نُعيد توجيه الموارد، ونُعيد تعريف الأولويات، ونُعيد الاعتبار للوقاية نكون قد انتقلنا من نظام يستهلك المرض إلى نظام يصنع الصحة. وهنا فقط تتحول الأرقام من عبءٍ يُثقل الميزانيات، إلى فرصة تُعيد تشكيل المستقبل.





