القابلات حارسات البدايات وأيقونات الرحمة في يوم التمريض العالمي

في اليوم الذي يحتفي فيه العالم برسالة التمريض النبيلة تتسع دائرة الامتنان لتشمل كل من يقف على تخوم الحياة، حيث يولد الإنسان أول مرة وهناك في تلك اللحظة الفاصلة بين الألم والفرح، تقف القابلة لا كظل لمهنة إنما كأصل عريق في منظومة الرعاية الصحية. فالقابلات هن الامتداد الطبيعي لفلسفة التمريض، حيث تتجسد الرحمة علمًا، والعناية التزامًا، والحضور الإنساني فعلًا لا يُستبدل. إن الحديث عن التمريض في أسمى صوره لا يكتمل دون استحضار هذا الدور العميق، الذي يبدأ مع أول صرخة حياة ويؤسس لصحة الأجيال. وفي البدء لم تكن القابلة مهنة، كانت امتدادًا لرحم الحياة نفسها. حين تعلمت البشرية كيف تصغي لآلام الولادة، وتفهم إيقاع الجسد الأنثوي، ظهرت أولى القابلات ليس كخبيرات بشهادات، بل كحارسات لسر الميلاد، ينهضن بين الألم والأمل ويقمن مقام العلم حين لم يكن للعلم مؤسسات. في حضارات وادي النيل وبلاد الرافدين، وفي زمن الحضارة المصرية القديمة، وُجدت نساء يُشار إليهن بالخبرة في التوليد، يستعن بالأعشاب وبالملاحظة وبذاكرة جماعية تنتقل من جيل إلى جيل، حتى أصبح وجود القابلة شرطًا من شروط الطمأنينة في لحظة الميلاد. لم تكن القابلة تُولد من رحم التعليم إنما من رحم التجربة. تراقب وتتعلم وتخطئ ثم تُصيب. ومع مرور القرون، أصبحت هذه الخبرة تُحاط بشيء من التنظيم، حتى جاء زمن التحول الكبير في أوروبا مع نشوء الطب الحديث في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين بدأت مهنة التوليد تنتقل تدريجيًا من أيدي النساء التقليديات إلى أروقة الجامعات، وظهر ما يُعرف بالقابلات القانونيات، اللواتي خضعن للتعليم المنهجي والتدريب السريري، لا سيما مع تطور علم طب النساء والتوليد، وازدياد فهم المخاطر المرتبطة بالحمل والولادة.
لكن، بعيدًا عن هذا التحول المؤسسي، ظلت مجتمعات كثيرة ومنها ليبيا تعتمد لعقود طويلة على القابلات الشعبيات الدايات اللواتي حملن عبء الحياة بأكمله دون اعتراف رسمي أو دعم مؤسسي. حتى نهاية الستينات، بل وحتى بداية السبعينات في بعض المناطق، كانت خدمات النساء والولادة الطبية محدودة إلى حد الغياب، وكانت الثقافة المجتمعية نفسها تميل إلى الولادة المنزلية، وتُحاط بسياج من الخصوصية والعادات. هناك في البيوت الطينية، وفي القرى الممتدة على أطراف الصحراء، كانت القابلة تدخل كأنها قدر رحيم، تحمل معها خبرة السنين، وتُدير لحظة الحياة والموت بثقة فطرية مذهلة. لم تكن متعلمة بالمعنى الأكاديمي، لكنها كانت تحمل علمًا من نوع آخر علم الجسد كما يُحس، لا كما يُدرس. تعرف متى تتدخل ومتى تنتظر، وكيف تُطمئن الأم وكيف تستقبل الوليد، وكيف تقطع الحبل السري، وكيف تراقب النزف والخطر. كانت القابلة طبيبة نفسية بالفطرة وممرضة ومرشدة وحارسةً للحياة في آن واحد. ثم تغير المشهد. وبدأت المستشفيات تنتشر وظهرت أقسام النساء والولادة، وتوسعت خدمات الرعاية الصحية الأولية، وأصبح الحمل يُتابع طبيًا، والولادة تُجرى في بيئة أكثر أمانًا. ومع ذلك لم تُمنح القابلة المكانة التي تستحقها في هذا التحول. بل تراجعت أو همّشت أو أُدمجت دون تطوير حقيقي لدورها. واليوم تقف ليبيا أمام مفارقة مؤلمة الحاجة إلى القابلات في أعلى مستوياتها، والوجود الفعلي لهن في أدنى درجاته. عدد لا يتجاوز 1450 قابلة في بلد يحتاج إلى أضعاف هذا الرقم، ولا توجد معاهد عليا متخصصة، ولا برامج تدريب متقدمة، ولا مراكز محاكاة تُحاكي تعقيدات الولادة، ولا مسارات مهنية واضحة تُعلي من شأن هذه المهنة. وفي المقابل تتصاعد معدلات العمليات القيصرية إلى مستويات مقلقة، كثير منها دون ضرورة طبية، في ظل غياب نموذج رعاية متكامل تقوده القابلة في حالات الحمل الطبيعي. هنا لا تكون المشكلة طبية فقط بل فلسفية أيضًا فهل فقدنا الثقة في الطبيعة؟ أم فقدنا النظام الذي يُدير هذه الطبيعة بكفاءة؟ إن القابلة ليست بديلًا عن الطبيب، هي حجر الأساس في منظومة متكاملة تُعيد التوازن بين التدخل الطبي والولادة الطبيعية. في النماذج الصحية المتقدمة تُشرف القابلات على معظم حالات الحمل والولادة الطبيعية، وتُحال الحالات المعقدة إلى الأطباء مما يُقلل من التدخلات غير الضرورية، ويُحسن النتائج الصحية للأم والطفل. إن إعادة الاعتبار للقابلة ضرورة وجودية. هي دعوة لإعادة بناء منظومة تبدأ من التعليم العالي بإنشاء كليات ومعاهد متخصصة مرورًا بالتدريب السريري الحقيقي، وانتهاءً بتوسيع نطاق الممارسة المهنية لتشمل الرعاية قبل الحمل، وأثناءه وبعده ورعاية المواليد وتقديم المشورة الصحية والدعم النفسي والاجتماعي. نحتاج إلى قابلةٍ جديدة، قابلة تحمل العلم كما تحمل الرحمة، وتُجيد قراءة الأجهزة كما تُجيد قراءة الوجوه، وتقف في غرفة الولادة لا كمنفذة لإجراء بل كحارسة لحياة تُولد. فالأجيال تبدأ من رحمٍ آمن، ولا يُؤمَّن هذا الرحم إلا بعلم راسخ، وقلب يُدرك أن كل ولادة هي بداية وطن.
كل عام والتمريض والقابلات بخير
د.علي المبروك أبوقرين




