كتاب الرائ

المريض الضحية


ليس المريض الضحية ذلك الذي أصابه المرض فحسب، إنما هو الذي سقط بين شقوق نظام كان يفترض أن يحميه، فإذا به يضاعف ألمه، ويحول علته إلى مسار من الإهمال والضياع والاستنزاف. المريض الضحية ليس حالة طبية هو نتيجة أخلاقية لفشل مركب حيث يتقاطع غياب العدالة مع غياب الكفاءة وتلتقي الفوضى مع الطمع، ويُترك الإنسان وحيدًا في مواجهة منظومة فقدت معناها قبل أن تفقد قدرتها. المريض الضحية هو من لم يكن يجب أن يمرض أصلًا لأن الوقاية غابت ولأن التوعية تراجعت، ولأن نمط الحياة تُرك للفوضى دون إرشاد، فدخل المرض من أبواب كان يمكن إغلاقها بكلمة صادقة أو برنامج وطني أو جهد مجتمعي بسيط. وهو من أُصيب بمرض كان يمكن اكتشافه مبكرًا، لكن التأخر في التشخيص حول الممكن إلى معقد، والبسيط إلى مكلف، والقابل للعلاج إلى معركة غير متكافئة. وهو من يُفاجأ بمرضه في مراحله الأخيرة، لا لأن المرض خفي بل لأن النظام غائب ولأن المسار الصحي متقطع، ولأن الفحوصات ليست حقًا ميسورًا بل امتيازًا مؤجلًا. هو من لا يملك خريطة علاج، ولا يجد مسارًا واضحًا، يتنقل بين العيادات كما يتنقل التائه بين أبواب مغلقة لا إحالة تقوده ولا سجل صحي يحفظ تاريخه، ولا منظومة تتابع حالته، وكأن جسده لا ذاكرة له، وكأن مرضه يبدأ من الصفر في كل مرة. المريض الضحية هو من يُدفع قسرًا إلى سوق صحي لا يعرف الرحمة، حيث تتحول الحاجة إلى سلعة، ويُعاد تعريف المرض كفرصة ربح، فيدخل كإنسان ويُعامل كفاتورة. هناك لا يُسأل ماذا يحتاج؟ إنما ماذا يمكن أن يُباع له؟ تُطلب له الفحوصات لا لضرورتها بل لجدواها التجارية، وتُفتح أمامه أبواب التدخلات ليس لشفائه إنما لتضخيم حسابه، وتُعرض عليه العمليات كما تُعرض البضائع، ويُصرف له الدواء كما تُصرف الأرباح. المريض الضحية هو من لا يعرف من يختار لأن المعايير غائبة، ولأن الثقة مكسورة ولأن السوق صاخب بالأسماء والعناوين دون ضمان للحقيقة. هو من يجلس أمام طبيب لا وقت لديه ليستمع ولا رغبة لديه ليشرح ولا مساحة لديه ليشرك المريض في القرار، فيتحول العلاج إلى أوامر ويغيب الفهم ويُسلب الإنسان حقه في أن يكون شريكا في مصيره. وهو من يقع بين أيدي غير المؤهلين أو قليلي الخبرة أو من لم يُمتحنوا بما يكفي، فيدفع ثمن ضعف لم يصنعه، ويتحمل نتائج خطأ لم يرتكبه. وهو من يتعرض لإجراءات لا يحتاجها، وتدخلات لا تلزمه، وربما جراحات ما كان يجب أن تُجرى، أو إدخالات للمستشفى والعناية المركزة بلا ضرورة، فقط لأن المنظومة اعتادت أن تُفرط وأن تُبالغ وأن تُثقل كاهل المريض بما لا يفيده. المريض الضحية هو من يتعرض للخطأ الطبي وللإهمال وللمضاعفات التي كان يمكن تجنبها، دون مساءلة حقيقية ودون نظامٍ يحاسِب أو يُصحح أو يتعلم. وهو من يقع في شبكة السمسرة الخفية حيث تتحول حالته إلى مصدر دخل، وتُمرر عبر سلسلة إحالات لا تنتهي، من مختبر إلى مركز إلى تخصص آخر، لا لأن ذلك يخدمه بل لأنه يُغذي منظومة تعيش عليه. وهو من يُترك لأدوية مغشوشة أو منتهية أو غير مناسبة، لأن الرقابة ضعيفة، ولأن السوق مفتوح، ولأن حياة الناس أصبحت رهينة جودة غير مضمونة. وهو من لا يجد إسعافًا حين يحتاج، ولا طوارئ تُنقذه حين ينهار، ولا خدمة منزلية تُعينه حين يعجز، ولا متابعة تُرافقه حين يطول مرضه. المريض الضحية هو صاحب المرض المزمن الذي يعيش على حافة الانقطاع، لا ضمان لاستمرارية دوائه ولا نظام يضمن انتظام علاجه، فيتأرجح بين الاستقرار والانتكاس لا بسبب طبيعة المرض إنما بسبب عجز المنظومة. وهو من يبيع ما يملك ويستنزف مدخراته ويُثقل كاهل أسرته ليشتري ما كان يجب أن يُضمن له كحق. وهو من لا يجد الأجهزة التعويضية ولا المستلزمات الطبية ولا خدمات التأهيل، وكأن الحياة بعد المرض ليست أولوية، وكأن الكرامة ليست جزءًا من العلاج. وهو من يتحول في بعض البيئات إلى وسيلة تعليم لا إلى إنسان تُصان حقوقه، فيُستخدم للتدريب دون ضوابط وتُختزل إنسانيته في كونه حالة. وهو من يدخل إلى مستشفى عام فلا يجد سريرًا مكتملًا ولا دواءً متوفرًا ولا أبسط مقومات الرعاية، فيُطلب منه أن يأتي بما يحتاجه وكأن المؤسسة تخلت عن دورها، واكتفت بالجدران. وهو من يُوجه إلى أماكن بعينها ليس لأنها الأفضل له إنما لأنها الأفضل لمن أحاله، في سلسلة مصالح تُدار خلف الكواليس، وتُدفع فواتيرها من جسده وماله. المريض الضحية هو ذاك الذي يعيش في نظامٍ يفتقد المهنية وتغيب عنه المعايير، وتُختلط فيه الأدوار، فلا يُعرف فيه من يُحاسب ومن يُصلح، فيتكرر الخطأ ويُعاد إنتاج الفشل ويُصبح الألم عادة. وفي جوهر كل ذلك المريض الضحية ليس فردًا، بل مرآة تعكس خللًا عميقًا في فهم الصحة، حين تتحول من حق إلى سلعة، ومن رسالة إلى تجارة، ومن نظام حماية إلى سوق مفتوح. إنه النتيجة الطبيعية لانفصال الطب عن إنسانيته، وانفصال النظام عن مسؤوليته، وانفصال المجتمع عن دوره. ولذلك فإن إنقاذ المريض لا يبدأ من غرفة العمليات إنما يبدأ من إعادة تعريف المنظومة بأكملها وأن تعود الصحة حقًا لا يُشترى، وأن يعود الطبيب حامل رسالة وليس بائع خدمة، وأن يعود النظام إطار عدل وليس منصة ربح، وأن يعود الإنسان مركز كل شيء. حينها فقط يتوقف المريض عن أن يكون ضحية.
د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى