علم الاجتماع الصحي

د.علي المبروك أبوقرين
علم الاجتماع الصحي في السياق الليبي ليس ترفًا معرفيًا ولا تنظيرًا أكاديميًا معزولًا عن الواقع هو قراءة موجعة لمرآة مكسورة تعكس مجتمعًا أنهكته التحولات وأثقلته التفاوتات، وتركته السياسات المرتبكة في مفترق طرق بين ما كان ينبغي أن يكون وما آل إليه الحال. إنه علم يضع الجسد الليبي بكل ما يحمله من أمراض وأوجاع داخل سياقه الأوسع، سياق الاقتصاد الريعي المختل والتفكك المؤسسي والاضطراب الاجتماعي وتآكل الثقة وصعود منطق السوق على حساب منطق الحق. في ليبيا لم يعد المرض مجرد حالة بيولوجية تُعالج داخل جدران مستشفى إنما أصبح تعبيرًا مركبًا عن اختلالات عميقة، مريض يتأخر في طلب العلاج لأنه لا يثق في المنظومة الصحية، وآخر يهاجر بحثًا عن دواء مفقود، وثالث يُترك لمصيره لأن قدرته الشرائية لا تسمح له بالدخول إلى عالم الصحة المدفوعة. هنا يتجلى بوضوح مفهوم تسليع الصحة، حيث تتحول الخدمة الصحية من حق إنساني أصيل إلى سلعة تُعرض وتُطلب، وتُقاس جودتها بقدرة الفرد على الدفع وليس بحاجته الطبية. هذا التحول لم يأتِ فجأة فهو نتيجة تراكمات، وتراجع دور الدولة كضامن للعدالة الصحية وضعف الحوكمة وغياب التخطيط الاستراتيجي واستنزاف الموارد في ظل اقتصاد يعتمد على الريع أكثر من اعتماده على الإنتاج. ومع هذا التراجع تقدمت قوى السوق لتملأ الفراغ فظهرت طبقية صحية صارخة، طبقة قادرة على الوصول إلى أفضل الخدمات داخل البلاد أو خارجها، وأخرى تُكابد داخل منظومة عامة تعاني من نقص الإمكانيات، وثالثة مهمشة بالكاد تجد الحد الأدنى من الرعاية. في هذا المشهد لا يمكن فصل المرض عن الفقر ولا العلاج عن المكانة الاجتماعية ولا الصحة عن الجغرافيا. فالمناطق الطرفية تعاني من نقص حاد في الخدمات، والكوادر تتركز في المدن الكبرى، والبنية التحتية الصحية تتآكل بصمت. وهكذا يصبح الانتماء المكاني محددًا للصحة، كما يصبح الدخل محددًا للحياة نفسها. إنها لامساواة صحية ليست مجرد فجوة إنما بنية كاملة من التفاوت تُعيد إنتاج نفسها يومًا بعد يوم. علم الاجتماع الصحي في قراءته لهذا الواقع لا يكتفي بالتشخيص إنه يكشف عن العلاقات الخفية التي تربط بين السياسات والنتائج، وبين القرارات الاقتصادية وصحة الأفراد، وبين الثقافة المجتمعية وسلوكيات المرض والعلاج. إنه يطرح أسئلة محرجة منها كيف تحول الحق في الصحة إلى امتياز؟ وكيف أصبح الطبيب نفسه جزءًا من سوق مضطرب يتأرجح بين رسالته الإنسانية وضغوط الواقع الاقتصادي؟ وكيف فقد المواطن ثقته في مؤسسة كان يُفترض أن تكون ملاذه الأول؟ وفي قلب هذا كله تقف مسألة الكرامة الإنسانية. فالصحة ليست مجرد غياب المرض فهي شعور بالأمان وإحساس بالعدالة وثقة بأن النظام الصحي لن يتركك في لحظة ضعفك. وعندما تُسلب هذه الكرامة يصبح الألم مضاعفًا، ألم الجسد وألم الإهمال. إن إعادة قراءة الواقع الليبي من منظور علم الاجتماع الصحي تفرض ضرورة الانتقال من منطق العلاج إلى منطق العافية ومن رد الفعل إلى الفعل الاستباقي ومن السوق المنفلت إلى الدولة الضامنة. لا بد من إعادة بناء العقد الاجتماعي الصحي بحيث تكون الصحة حقًا مكفولًا وليس سلعة متداولة، وعدالة ملموسة وليست شعارًا مرفوعًا. لا نريد كيف نعالج المرضى؟ انما كيف نبني مجتمعًا لا يُنتج المرض بهذا الشكل؟ وكيف نعيد التوازن بين الاقتصاد والصحة وبين الفرد والمجتمع وبين الحق والربح؟ بهذا يصبح علم الاجتماع الصحي مشروعًا وطنيًا للإنقاذ ويعيد للإنسان الليبي حقه في أن يعيش بصحة وعافية وكرامة..





