كتاب الرائ

الجيوش البيضاء التي تحتاج أن يٌبنَى لها المنظومة

د.علي المبروك أبوقرين

في ليبيا تبدو واحدة من أكثر مفارقات النظام الصحي إيلاما أن الإنسان الذي يفترض أن يحمي صحة الناس وحياتهم كثيرا ما يبدأ حياته المهنية من دون أن يجد من يحمي حقه في التعليم والتدريب والعمل والاستقرار والأمان. فالقضية ليست قضية طبيب أو ممرض أو فني أو صيدلاني أو أخصائي بعينه وإنما قضية منظومة كاملة أهملت الإنسان الذي تقوم عليه المنظومة الصحية كلها حتى أصبح الحديث عن إصلاح الصحة ناقصا ما لم يبدأ بإعادة بناء القوى العاملة الصحية من جذورها. لا يمكن صناعة طبيب متميز أو ممرض مؤهل أو فني متخصص في بيئة تعليمية لا تستوفي أبسط شروط التعليم الحديث وكليات ومعاهد لا تتسع للأعداد المقبولة وقاعات ومعامل ومكتبات محدودة أو غير كافية، ومناهج تحتاج إلى التطوير وأعضاء هيئة تدريس لا يتوافرون دائما بالعدد والكفاءة والتفرغ المطلوب، وغياب أو محدودية مراكز المحاكاة والتعليم السريري الحديث، وضعف البنية الرقمية والتكنولوجية وندرة المساحات التي يحتاجها الطالب للمذاكرة والراحة والنشاط الثقافي والرياضي والفكري، فضلا عن غياب البيئة الجامعية المتكاملة التي تجعل من التعليم الطبي تجربة علمية وإنسانية متكاملة. والأكثر إيلاما أن الطالب الذي يقضي سنوات عمره في دراسة مهنة شاقة ومسؤولة يتحمل مع أسرته نفقات الدراسة والتنقل والمعيشة دون منظومة وطنية مستقرة للمنح والمخصصات التي تساعده على التفرغ للتحصيل العلمي. وبعد الوصول إلى الشهادة تبدأ مرحلة التخصص حيث يفترض أن يتحول الخريج إلى طبيب متخصص قادر على تحمل مسؤوليات أكبر بينما لا يجد دائما مسارا تدريبيا متكاملا، ولا مستشفيات جامعية وتعليمية حقيقية تستوعب أعداد المتدربين ولا برنامجا مستقرا يضمن الإشراف والتدريب السريري والبحث العلمي والتقييم المستمر، ولا فرصا كافية للابتعاث والتدريب المتقدم في المؤسسات الطبية العالمية. إن التخصص الطبي ليس دورة قصيرة ولا امتحانا ينتهي بشهادة إنه بناء طويل للخبرة والمسؤولية والمهارة يحتاج إلى مريض حقيقي ومشرف مؤهل وبيئة سريرية آمنة ومؤسسة تعليمية وتجهيزات وبحث علمي وتقييم ووقت واستقرار مالي ووظيفي. وحين يغيب هذا كله يصبح الطبيب الشاب مطالبا بأن يتعلم مهنة بالغة التعقيد في بيئة لا توفر له دائما الأدوات التي يتطلبها التعلم الآمن. كما أن مجالس التخصص مهما كانت ضرورتها التنظيمية لا يمكن أن تكون بديلا عن الجامعات والمستشفيات التعليمية ومؤسسات التدريب السريري المتكاملة. وتأتي الحياة المهنية فتتسع دائرة المعضلة. بيئات عمل غير مكتملة ونقص في الأدوية والمستلزمات، وأعطال متكررة وبنية تحتية تحتاج إلى الإصلاح، ونقص في السكن والنقل والحوافز وضعف الامتيازات اللازمة لجذب العاملين إلى الرعاية الصحية الأولية والصحة العامة والطب الوقائي والتخصصات النادرة والمناطق البعيدة والنائية، فضلا عن تأخر المرتبات أو محدوديتها وعدم تناسبها مع حجم المسؤولية والضغط وساعات العمل. ويضاف إلى ذلك تعرض بعض العاملين للاعتداء والتطاول والإهانة في بيئة يفترض أن يكون فيها مقدم الخدمة الصحية محميا بالقانون والمؤسسة وليس معرضا للخطر أثناء قيامه بواجبه. وهنا ينبغي أن نفهم أن القوى العاملة الصحية ليست بندا في جدول الوظائف وإنما هي البنية الحية للنظام الصحي. فالمبنى لا يعالج مريضا والجهاز لا يشخص وحده والسرير لا ينقذ إنسانا، والدواء لا يصل إلى مستحقه من تلقاء نفسه. خلف كل خدمة صحية ناجحة إنسان تعلم وتدرب وأتقن وخلف كل منظومة صحية قوية جيش من الأطباء والتمريض والصيادلة والفنيين والقابلات والمسعفين والإداريين والعاملين في الصحة العامة والمختبرات والأشعة والتخدير والعناية الحرجة وسائر المهن الصحية. إنهم الجيوش البيضاء التي تعمل عندما يتوقف الآخرون وفي الليل كما في النهار وفي الأعياد كما في الأيام العادية وفي السلم كما في الحروب وفي الأوبئة والكوارث والحوادث كما في الظروف المستقرة. وحين تضرب الجائحة أو تقع الكارثة أو يرتفع عدد المصابين لا يكون السؤال الأول عن المبنى أو الجهاز وإنما عن الإنسان الذي سيقف أمام المريض ويشخص ويقرر ويجري وينعش ويمرض ويسهر ويتحمل. إن حماية القوى العاملة الصحية ليست امتيازا مهنيا وإنما جزء من الأمن الصحي والإنساني للمجتمع. وحمايتها لا تعني فقط منع الاعتداء وإنما تعني منظومة كاملة تبدأ منذ اختيار الطالب والتعليم الجامعي فالمنحة والتفرغ  والتدريب السريري فالتخصص والزمالة  والتوظيف العادل والأجر اللائق والضمان الاجتماعي والمهني والسكن والنقل والحماية القانونية والأمنية وبيئة العمل الآمنة والتطوير المهني المستمر، والبحث العلمي وفرص الترقي والتخصص والتعلم مدى الحياة. ويحتاج ذلك إلى إعادة بناء لمنظومة تكوين القوى العاملة الصحية بحيث يصبح لكل تخصص مسار واضح من التعليم إلى التدريب إلى الاعتماد إلى التوظيف إلى التطوير وفق الاحتياجات الفعلية للسكان والنظام الصحي وبمعايير أكاديمية ومهنية عالمية. كما ينبغي أن ترتبط كليات الطب والتمريض والمهن الصحية بمستشفيات جامعية وتعليمية حقيقية وأن تتوافر مراكز المحاكاة والمختبرات والمكتبات والمنصات الرقمية وأن يكون التعليم السريري تحت إشراف متخصصين مؤهلين، وأن يستمر الابتعاث والتدريب الخارجي بصورة مؤسسية منتظمة عندما لا تتوافر التخصصات أو الخبرات محليا حتى يعود المبتعث وهو يحمل معرفة يمكن تحويلها إلى قدرة وطنية مستدامة. ولا يمكن أن يكون الهدف مجرد تخريج أعداد أكبر فالنظام الصحي لا يحتاج إلى شهادات أكثر بقدر حاجته إلى كفاءات أكثر. المطلوب هو طبيب يعرف ماذا يفعل ولماذا يفعله، وممرض قادر على تقديم رعاية آمنة، وفني يتقن تقنيته، وصيدلاني يمارس دوره العلمي ومسعف يستطيع الاستجابة في اللحظة الحرجة، ومختص صحة عامة يستطيع أن يمنع المرض قبل أن يصل إلى المستشفى. المطلوب قوة صحية متعلمة ومتخصصة ومحمية ومستقرة ومتصلة بالتطور العلمي العالمي. إن الاستثمار الحقيقي في الصحة يبدأ من الاستثمار في الإنسان الصحي نفسه. وحين تُبنى المستشفيات قبل أن يُبنى الإنسان الذي سيشغلها، وتُشترى الأجهزة قبل أن يتوافر من يحسن استخدامها، وتُوسع الخدمات دون أن تُخطط القوى العاملة التي ستقدمها فإن النظام قد يبدو كبيرا في حجمه لكنه يظل هشا في جوهره. أما النظام الصحي الذي يريد أن يحمي أمة فعليه أن يبدأ من الذين سيحمونها صحيا ويمنحهم تعليما يليق بالمهنة وتدريبا يليق بالمسؤولية وعملا يليق بكرامتهم وأجرا يليق بتضحياتهم وحماية تليق بمن يحملون أرواح الناس بين أيديهم ومستقبلا مهنيا يجعل البقاء والتطور داخل الوطن خيارا ممكنا وجاذبا. فالأمراض والأوبئة والحوادث والكوارث لا تقيس خسائرها بالأرقام وحدها إنها تترك وراءها أرواحا وأسرًا واقتصادا ومستقبلا وطنيا. وفي مواجهة هذه الخسائر تظل القوى العاملة الصحية خط الدفاع الإنساني الأول والحارس الذي يقف بين المرض والمجتمع، وبين الكارثة والحياة. ولهذا فإن إعادة بناء القوى العاملة الصحية في ليبيا ليست إصلاحا لقطاع وظيفي ولا معالجة لظروف مهنية، وإنما هي إعادة بناء لأحد أعمدة الدولة الحديثة نفسها لأن الأمة التي تريد أن تحمي صحة أبنائها وتصون أعمارهم وتواجه أوبئتها وكوارثها وتبني مستقبلا صحيا آمنا لا يكفيها أن تمتلك المستشفيات والأجهزة والأدوية وإنما يجب أن تمتلك الإنسان القادر على تحويل كل ذلك إلى صحة وحياة. فالجيش الأبيض لا يولد من فراغ إنه يُبنى بالتعليم ويُصقل بالتدريب ويُحمى بالقانون ويُكرم بالاستقرار ويستمر بالتطوير وتُبنى به صحة الوطن وأمان أجياله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى