بغياب النظام الصحي تتكاثر الأمراض وتُستنزف الحياة

د.علي المبروك أبوقرين
ليست المأساة الصحية في ليبيا أن تنتشر الأمراض المزمنة والمناعية والأورام والأمراض المستعصية فقط وإنما أن تتسع أعباؤها في مجتمع يفتقر إلى نظام صحي وطني متكامل يتنبأ بمخاطرها ويرصد انتشارها ويكشفها مبكرا ويحد من أسبابها، ويتابع المصابين بها وفق مسارات علمية منتظمة تضمن لهم العلاج والرعاية والكرامة. فالمرض مهما بلغت خطورته لا يتحول بالضرورة إلى كارثة اجتماعية واقتصادية، لكن غياب النظام الصحي القادر على احتوائه يجعل الإصابة الواحدة رحلة طويلة من الألم والقلق والإنفاق والاستنزاف، وقد يحول مرضا قابلا للسيطرة إلى عجز دائم أو وفاة كان بالإمكان تجنبها. تواجه ليبيا عبئا متداخلا من الأمراض التي تتفاوت في أسبابها ومعدلات انتشارها وخطورتها.
فارتفاع ضغط الدم يصيب نسبة كبيرة من البالغين، وتضع التقديرات المتاحة عدد المصابين به في حدود 1.3 إلى 1.5 مليون شخص، بينما يُقدّر عدد المصابين بالسكري بنحو 630 إلى 650 ألفا. وتسجل البلاد آلاف الإصابات الجديدة بالسرطان سنويا، في حين تفرض أمراض المناعة الذاتية، ومنها التهاب المفاصل الروماتويدي والذئبة الحمراء وأمراض الغدة الدرقية المناعية، إلى جانب التصلب اللويحي والسيلياك، أعباء متزايدة على المرضى وأسرهم. وتضاف إليها الأمراض الوراثية والعصبية العضلية مثل ضمور العضلات الشوكي وضمور دوشين، فضلا عن الربو وأمراض الحساسية وغيرها من الحالات المزمنة التي تتطلب متابعة مستمرة ورعاية متخصصة. وهذه الأرقام تقديرات متفاوتة بحسب مصادرها وتعريفاتها، وليست حصيلة سجل وطني موحد، وهو ما يكشف منذ البداية إحدى مشكلات الصحة في ليبيا: أننا لا نملك صورة وبائية وطنية مكتملة ودقيقة لجميع هذه الأمراض، ولا سجلات شاملة تتيح معرفة أعداد المصابين وتوزيعهم الجغرافي ومراحل مرضهم واحتياجاتهم ونتائج علاجهم. تختلف أسباب هذه الأمراض، فارتفاع ضغط الدم والسكري من النوع الثاني يرتبطان بتداخل الاستعداد الوراثي مع السمنة والتغذية غير الصحية وقلة النشاط البدني وعوامل أخرى، فيما تنشأ الأورام من تفاعلات معقدة بين عوامل وراثية وبيئية وسلوكية، ويمكن الوقاية من بعض أنواعها أو خفض مخاطرها بالكشف المبكر والتطعيمات المناسبة ومكافحة التدخين.
أما أمراض المناعة الذاتية والتصلب اللويحي، فلا تزال أسبابها النهائية غير محسومة علميا، وإن عُرفت عوامل تزيد احتمالات حدوثها أو تؤثر في مسارها. وتعود بعض الأمراض العصبية العضلية إلى طفرات جينية موروثة، بينما تنشأ الحساسية من تفاعلات مناعية تتأثر بالاستعداد الفردي والعوامل البيئية. إن فهم هذه الاختلافات ضرورة لوضع سياسات وقائية وعلاجية صحيحة، فلا تُختزل الأمراض في أسباب واحدة، ولا يُحمل المرضى مسؤولية إصابات تتجاوز إرادتهم وقدرتهم على التحكم فيها. غير أن خطورة المرض لا تحدد وحدها مصير المريض إذ يتوقف جانب كبير من النتائج على كفاءة النظام الصحي الذي يستقبله. وهنا تتجلى المعضلة الليبية في غياب منظومة وطنية موحدة ومتكاملة تربط الوقاية بالتشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية، وتضمن استمرارية الخدمة بين الرعاية الصحية الأولية والمستشفيات والمراكز المرجعية. فما زالت الحاجة ملحة إلى برامج وطنية مستدامة للكشف المبكر عن ارتفاع ضغط الدم والسكري ومخاطر السرطان، وإلى منظومة ترصد عوامل الخطورة قبل أن تتحول إلى أمراض ومضاعفات، وتستخدم البيانات والتحليل الوبائي والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي استخداما علميا مسؤولا للتنبؤ بالاحتياجات وتوجيه الموارد إلى المناطق والفئات الأكثر تعرضا للخطر.
ولا يمكن بناء هذه المنظومة من دون سجلات وطنية دقيقة للأمراض المزمنة والأورام والأمراض المناعية والنادرة، وملف صحي إلكتروني موحد يرافق المريض طوال حياته ويمنع ضياع تاريخه الطبي وتكرار الفحوص وتضارب القرارات وانقطاع الأدوية والمتابعة. كما تحتاج إلى مختبرات مرجعية موثوقة وتقنيات تصوير وتشخيص متقدمة، وخدمات علم الأمراض والوراثة الطبية والتشخيص الجزيئي، وأجهزة علاج إشعاعي متاحة وفعالة، وعلاجات دوائية حديثة تُشترى وفق احتياجات وطنية واضحة وتُوزع بعدالة، مع ضمان الصيانة والتشغيل المستمر ومراقبة الجودة وسلامة المرضى.
فالجهاز الذي لا يعمل والدواء الذي لا يصل في موعده والفحص الذي لا تتوافر مواده، ليست مجرد نواقص فنية إنها فجوات قد تفصل المريض عن فرصة النجاة أو السيطرة على مرضه. وتبقى الكوادر البشرية عماد كل إصلاح. فلا تكفي الشهادات والمسميات الوظيفية لإنشاء طب تخصصي متقدم ولا تتحقق الكفاءة بمجرد تخريج الأطباء أو منح شهادات الاختصاص. إنما تُبنى الخبرة في مستشفيات تعليمية حقيقية، مجهزة ومستقرة وتستقبل الحالات المتنوعة وتوفر التدريب السريري المكثف والإشراف العلمي والبروتوكولات الحديثة والبحث والتقييم المستمر. وتحتاج ليبيا إلى أعداد كافية من الأطباء ذوي التأهيل الراسخ والتخصصات الدقيقة في الأورام والمناعة والأعصاب والأمراض الوراثية وغيرها، موزعين وفق الاحتياجات الفعلية للسكان وليس محصورين في المدن الكبرى.
ويوازي ذلك ضرورة بناء قوة تمريضية وفنية عالية التأهيل في تمريض الأورام والعناية المركزة والأعصاب والأمراض المزمنة، وفي المختبرات والأشعة والتشخيص الجزيئي وتشغيل الأجهزة وصيانتها. فالعلاج الحديث منظومة من المعارف والمهارات والتقنيات والعمل الجماعي وليس وصفة طبية أو جهازا باهظ الثمن. إن مسؤولية الدولة هنا ليست إدارية فقط وإنما مسؤولية دستورية وأخلاقية ووطنية. فليبيا، بما تملكه من ثروات طبيعية وموارد عامة، مطالبة بتسخير قدرتها المالية لبناء نظام صحي قوي وعادل، يمول الوقاية والتشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية، ويضمن حصول المواطن على الدواء والفحص والخدمة المتخصصة من دون أن يصبح دخله شرطا لنجاته، ويجب أن تمتد هذه المسؤولية إلى تنظيم الإمدادات الدوائية، وتأمين العلاجات الأساسية والمتقدمة، وحماية المريض من الانقطاع والتلاعب والأسعار الاستغلالية، ومحاسبة كل جهة تقصّر في سلامة الخدمة أو تهدر المال العام أو تتاجر بآلام الناس. فحين تتراجع مسؤولية الدولة، لا تختفي الحاجة إلى العلاج إنما تنتقل تكلفته إلى الأسرة، ويُدفع المريض إلى البحث المضني بين المستشفيات والصيدليات والمختبرات والعيادات، وقد يضطر إلى بيع ممتلكاته أو الاستدانة أو السفر طلبا لخدمة كان ينبغي أن يجدها ضمن منظومة وطنية موثوقة. وهكذا تتحول هشاشة النظام إلى عبء مزدوج، جسد يواجه المرض وأسرة تواجه تكلفة النجاة. وفي هذه الفجوة تنمو الأسواق التي تستثمر في الخوف، وتتحول المعاناة إلى فرصة للربح، ويصبح الوصول إلى العلاج امتيازا ماليا بدلا من أن يكون حقا مصونا. إن المطلوب ليس المزيد من الحملات الموسمية ولا القرارات المتفرقة ولا شراء المعدات من دون خطة تشغيل وإنما مشروع وطني للصحة والعافية، ينتقل من الاستجابة المتأخرة للمرض إلى استباقه، ومن علاج المضاعفات إلى منعها، ومن إدارة المؤسسات المتفرقة المتنافرة إلى إدارة مسار المريض ونتائج الرعاية، ومن الإنفاق الذي لا يُقاس أثره إلى تمويل مرتبط بالجودة والعدالة والنتائج الصحية. مشروع يجعل الوقاية استثمارا، والمعلومة الصحية أساسا للقرار، والتعليم الطبي ركيزة للكفاءة، والتمريض التخصصي قوة لا غنى عنها، والدواء والتقنية وسائل لخدمة الإنسان لا أدوات لتوسيع السوق. إن الدولة التي لا ترصد أمراض شعبها بدقة ولا تكشفها مبكرا ولا تضمن علاجها ومتابعتها، تترك مستقبلها الصحي للمصادفة، وكرامة مواطنيها لقدرتهم على الدفع. والصحة في ليبيا ليست مجالا لتجارة الألم ولا فرصة للارتزاق من الخوف ولا عبئا يجوز ترحيله إلى جيوب المرضى إنها مسؤولية الدولة عن الحياة، وواجبها في حماية الإنسان قبل المرض وأثناءه وبعده.
فلا يجوز أن يُترك مريض السرطان رهينة نقص العلاج، أو مريض المناعة أسير التشخيص المتأخر، أو طفل مصاب بمرض وراثي رهينة العجز عن الوصول إلى الرعاية المتخصصة. فالثروة الحقيقية ليست ما تستخرجه الأرض من نفط وإنما ما تحفظه الدولة بمواردها من حياة الإنسان وصحته وكرامته.






