كتاب الرائ

ليبيا لا تحتاج إلى سوق للمرضى إنها تحتاج إلى دولة تصنع الصحة وتحمي الحياة

د.علي المبروك أبوقرين

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الصحة في ليبيا ليس نقص الأدوية ولا تهالك المستشفيات ولا هجرة الكفاءات، ولا تراجع جودة الخدمات إنما أن تفقد الدولة فلسفة الصحة ذاتها، وأن يتحول الحق الذي تكفله الدساتير والقوانين إلى سلعة تُباع، وأن يُدفع المواطن من باب المستشفى العام المعطل إلى أبواب المصحات الخاصة، ومن الصيدلية العامة التي غابت عنها الأدوية إلى الصيدلية التجارية، ومن حق العلاج إلى فاتورة لا ترحم، ومن الخوف من المرض إلى الخوف من تكلفته. عند هذه النقطة لا يعود الخلل مجرد أزمة في إدارة المرافق الصحية وإنما يصبح أزمة في معنى الدولة، وفي وظيفة الثروة الوطنية، وفي العلاقة الأخلاقية بين السلطة والإنسان. إن الصحة في ليبيا ليست منحة من حكومة ولا امتيازاً تمنحه مؤسسة ولا خدمة يجوز أن تتوقف على قدرة الإنسان على الدفع إنها حق أصيل ومسؤولية عامة والتزام وطني وأخلاقي تتحمله الدولة تجاه مواطنيها. وإذا كانت التشريعات الليبية قد أرست مبادئ الحق في الرعاية الصحية ومجانية الخدمات في إطارها القانوني، فإن الوفاء بهذا الالتزام لا يتحقق بترديد النصوص وإنما ببناء نظام صحي عام قادر على تقديم الخدمات فعلياً، وبجودة عالية وعدالة كاملة ومن دون أن يتحمل المواطن من جيبه ثمن الكشف أو الفحص أو العملية أو الدواء الذي يحتاج إليه.

فما قيمة الحق إذا كان صاحبه مضطراً إلى شراء ما يفترض أن تكفله له الدولة؟ وما جدوى الثروة الوطنية إذا عجز الإنسان عن الحصول على علاجه إلا بمدخراته أو استدانته أو استجدائه؟ ليبيا دولة غنية بثرواتها الطبيعية وواسعة بأرضها ومحدودة السكان قياساً إلى مساحتها وإمكاناتها، وتملك من الموارد والموقع الجغرافي والقدرات البشرية ما يؤهلها لبناء منظومة صحية وطنية متقدمة، إذا أُحسن توجيه الثروة ورشّد الإنفاق وأُصلحت الإدارة واستُعيدت المؤسسات، ووُضعت الكفاءة والنزاهة والجودة في صميم القرار العام. فلماذا يُدفع الليبي إلى سوق الخدمات الصحية الخاصة ولماذا تُترك الصيدليات والمختبرات ومراكز التشخيص والمصحات لتتحول إلى منافذ أساسية للحصول على احتياجات لا يجوز أن يكون الوصول إليها رهناً بالقدرة المالية؟ ولماذا يُطرح التأمين الصحي باعتباره مخرجاً لأزمة يفترض أن تُعالج بإصلاح مسؤولية الدولة، وبناء قدراتها، وإعادة تنظيم مواردها؟ إن وجود القطاع الخاص الصحي ليس دليلاً بذاته على تقدم النظام الصحي، كما أن كثرة المصحات والصيدليات والمختبرات لا تعني أن المجتمع يتمتع بصحة أفضل. المعيار الحقيقي هو قدرة المنظومة الوطنية على الوقاية من المرض، والكشف المبكر عنه وعلاجه وتأهيل المصابين وتخفيف معاناتهم وضمان وصول الجميع إلى خدمات آمنة وفعالة. وحين يصبح توسع السوق ضرورياً لتعويض غياب الخدمة العامة فإننا أمام مفارقة تستحق المراجعة الجادة فكلما تراجعت قدرة الدولة على الوفاء بالتزامها اتسعت المساحة التي يضطر المواطن إلى دفع ثمنها من ماله وكرامته وأمان أسرته. ومن هذا المنطلق وجب رفض الخصخصة الصحية والتأمين الصحي بوصفهما بديلين عن مسؤولية الدولة في ليبيا، ورفض تحويل العلاج إلى نشاط تجاري تتحكم فيه القدرة الشرائية، أو جعل المرض مورداً للربح أو تحميل المواطن أعباء تمويل خدمات يفترض أن تُمول من الثروة الوطنية. ولا يعني ذلك إنكار قيمة الخبرات الطبية والتقنيات الحديثة أو رفض الاستفادة من كل معرفة متاحة إنما يعني أن تكون التكنولوجيا والخبرة والموارد جميعها في خدمة نظام وطني موحد وليس أن تتحول إلى مبرر لتجزئة الخدمة أو ازدواجية الحقوق أو استنزاف المواطنين. ويمكن الاستفادة من الخبرات الخارجية والتعاقدات الفنية عند الحاجة وفق ضوابط صارمة من دون تحويل ذلك إلى بوابة لخصخصة المسؤولية العامة أو تسليع العلاج. إن التأمين الصحي ليس حلاً مقبولاً لمجرد أن دولاً أخرى أخذت به فالنماذج الصحية لا تُستورد كما تُستورد الأجهزة، ولا تُقاس صلاحيتها بانتشارها الدولي وإنما بمدى توافقها مع طبيعة الدولة ومواردها وبنيتها الاقتصادية والاجتماعية. وما قد يناسب اقتصاداً يعتمد على الضرائب والاشتراكات والتعدد المؤسسي، لا يصبح بالضرورة مناسباً لدولة ريعية تستطيع أن تجعل عائدات ثروتها الطبيعية أساساً لتمويل خدماتها العامة. إن نقل النماذج من دون فهم فلسفتها وشروطها ومخاطرها قد يخلق أجهزة وسيطة وصناديق ومصالح إدارية ومالية، بينما تظل المستشفيات محتاجة إلى التجهيز، والأدوية ناقصة والكفاءات مهمشة والمواطن يدفع مرتين مرة من ثروة بلاده التي يفترض أن تمول صحته ومرة من جيبه حين يضطر إلى شراء العلاج. ولا يمكن تجاهل أن ضعف الإدارة والفساد وتضارب المصالح وسوء توزيع الموارد والتقليد غير المدروس للتجارب الخارجية عوامل قد تتضافر في إضعاف المؤسسات العامة وفتح المجال أمام توسع السوق. إن ترك المؤسسات العامة تتراجع من دون مساءلة أو إصلاح فعلي، يحمّل المواطن تكلفة الانهيار ويفتح المجال أمام مصالح تستفيد من عجز الخدمة العامة. كما أن تدني الرواتب وسوء بيئة العمل وغياب المسار المهني والتدريب المستمر، تؤدي إلى إضعاف قدرة القطاع العام على استبقاء أطبائه وممرضيه وفنييه، فتخسر الدولة كفاءات أنفقت على إعدادها مواردها، ويُحرم المواطن من الاستفادة من خبراتها داخل مؤسساته الوطنية.

إن البديل هو ليس مجرد إعادة ترميم المستشفيات أو زيادة مخصصات وزارة الصحة وإنما إعادة تأسيس فلسفة وطنية متكاملة للصحة والعافية، تقوم على نظام صحي عام موحد قوي وعادل ومنصف تتولى الدولة مسؤولية تمويله وتنظيمه وضمان جودته، ويغطي احتياجات الإنسان منذ ما قبل الولادة حتى نهاية العمر. نظام يبدأ من الأسرة والمجتمع والرعاية الصحية الأولية، ويصل بمسارات إحالة منضبطة إلى المستشفيات العامة والمراكز المرجعية والتخصصية، ويربط الوقاية بالتشخيص والعلاج والتأهيل والرعاية التلطيفية، ويجعل الصحة العامة وسلامة الغذاء والماء والبيئة ومكافحة الأوبئة والصحة النفسية والصحة المهنية وصحة الحيوان ضمن رؤية واحدة تفهم أن صحة الإنسان لا تنفصل عن شروط الحياة التي تحيط به. نحتاج إلى منظومة تُدار بالعلم والحكمة وليس بالارتجال وتضارب الاختصاصات، وبالمعلومات الدقيقة والسجلات الصحية المترابطة وليس بالتقديرات المتناقضة، وبالشراء العام الرشيد وسلاسل الإمداد الموثوقة وليس بالفوضى والتبعية للمصالح، وبالتوزيع العادل للكوادر والتجهيزات وليس بتركيز الإمكانات في المدن الكبرى وترك المناطق البعيدة تواجه المرض بقلة الخيارات. منظومة تستثمر في التعليم الطبي والتخصصات الدقيقة والبحث العلمي في المؤسسات العامة فقط، وتمنح العاملين شروطاً مهنية تحفظ كرامتهم، وتخضع كل مرفق ومعاملة وقرار للرقابة والمساءلة، وتقيس نجاحها بما تحققه من نتائج صحية فعلية، ويجب أن تكون مجانية الخدمة حقاً قابلاً للتحقق وليس شعاراً سياسياً ولا نصاً معطلاً. وهذا يستلزم تمويلاً عاماً كافياً ومستداماً من إيرادات الدولة، وتخطيطاً واقعياً للتكلفة والاحتياجات وموازنات تشغيلية تصل إلى المرافق في وقتها، وتأميناً مستمراً للأدوية والمستلزمات، ونظاماً صارماً لمكافحة الهدر والفساد، ومحاسبة لا تستثني أحداً. فالمجانية التي لا تصحبها قدرة تشغيلية تتحول إلى انتظار طويل ونقص في الأدوية وتعطل في الأجهزة، كما أن الإنفاق الكبير الذي لا تحكمه الإدارة الرشيدة قد يتبخر من دون أن يتحول إلى صحة أو عافية. المطلوب ليس إنفاقاً بلا حساب وإنما تمويل عام مسؤول يضمن الخدمة للجميع ويحاسب على كل دينار.

إن ثروات البلاد ليست أرقاماً في الموازنات ولا أرصدة تتداولها المؤسسات إنها أمانة تاريخية يجب أن تتحول إلى تعليم متقدم وصحة مصونة وبيئة سليمة وحياة كريمة. وليس من العدالة أن يعيش الإنسان فوق أرض غنية ثم يخشى المرض لأنه لا يملك ثمن الدواء، أو يؤجل فحصاً ضرورياً خشية الفاتورة، أو يبيع ما يملك لينقذ حياة عزيز عليه. وليس من الحكمة أن تنفق الدولة على علاج ما كان يمكن الوقاية منه، أو تستنزف مواردها في منظومة متشظية لا تتكامل مؤسساتها، بينما يمكن للتخطيط الجيد والرعاية الأولية والتشخيص المبكر والإدارة الرشيدة أن تحمي الأرواح وتصون المال العام. إن معركة ليبيا الصحية ليست معركة بين مستشفى عام ومصحة خاصة فقط ولا بين تمويل حكومي وتأمين صحي فحسب إنها معركة على تعريف الصحة نفسها أهي حق تصونه الدولة بثروات الأمة، أم سلعة يشتريها الفرد بحسب قدرته؟ أهي مرفق سيادي يحمي الإنسان، أم سوق يتوسع كلما ضعفت الخدمة العامة؟ أهي استثمار في الإنسان وقدرته على الحياة والإنتاج، أم اقتصاد ينمو بقدر ما تتزايد حاجات المرضى إلى الإنفاق؟ نريد لليبيا أن تنتقل من دولة تدفع فاتورة المرض إلى دولة تصنع شروط الصحة والعافية ومن منظومة تتقاذف فيها المؤسسات المسؤولية إلى نظام وطني موحد تتحمل فيه الدولة واجبها كاملاً، ومن مواطن يخشى تكلفة العلاج إلى إنسان مطمئن إلى أن حياته وكرامته ليستا موضع مساومة. فلا قيمة لثروة لا تحمي صاحبها، ولا معنى للتنمية إذا بقي المرض قادراً على إفقار الأسرة، ولا شرعية أخلاقية لنظام صحي يترك الحق الإنساني رهينة القدرة على الدفع. إن صحة الليبيين ليست سوقاً نبحث لها عن مستثمرين، ولا أزمة نبحث لها عن وسيط تأميني إنها مسؤولية وطنية وأمانة من أمانات الثروة العامة، وركن من أركان السيادة وامتحان حقيقي لمعنى الدولة التي نريدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى