سوء إدارة النعمة تعني ثروة لا تصنع الصحة وتعليم لا يصنع المعرفة واقتصاد لا يصنع العدالة

د.علي المبروك أبوقرين
ليست مأساة ليبيا أنها تفتقر إلى الثروة وإنما الثروة التي كان ينبغي أن تكون ضمانة لصحة الإنسان وكرامته، ورافعة للعلم والمعرفة والعدالة الاجتماعية لم تتحول بالقدر المأمول إلى مشروع وطني لبناء الإنسان وصناعة المستقبل. فليبيا بما تملكه من موارد طبيعية وإمكانات اقتصادية كان يمكنها أن تجعل من الصحة حقا مصونا، ومن التعليم طريقا إلى المعرفة والإبداع، ومن العدالة الاجتماعية أساسا للاستقرار والازدهار. لكن الثروة حين تُساء إدارتها وتغيب عنها الرؤية التنموية والمساءلة، تتحول من نعمة جامعة إلى مفارقة موجعة في وطن غني بموارده فيما تتسع فيه دوائر الاحتياج وتتراجع جودة الخدمات ويظل المواطن يبحث عن حقوق كان يفترض أن تضمنها ثروته الوطنية. *في الصحة يصبح المرض عبئا يتجاوز الألم إلى الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي.* فعندما يعجز النظام الصحي العام عن توفير الدواء والتشخيص والعلاج الآمن في الوقت المناسب يجد المواطن نفسه مضطرا إلى إنفاق مدخراته أو الاستدانة أو انتظار المساعدة، وربما تأجيل العلاج حتى تتفاقم العلة. وإذا اقترنت هذه المعاناة بضعف الرقابة وتضارب المصالح وغياب المساءلة، نشأت بيئة تحول فيها احتياج الناس إلى مصدر ربح، وآلام المرضى إلى فرصة استثمارية للقلة. وأصبح الحصول على العلاج مرتبطا بدرجات متفاوتة بالقدرة على الدفع، بدلا من أن يكون حقا تكفله الدولة لكل مواطن. إنها مفارقة أن يعيش الإنسان في بلد غني بالموارد ثم يجد نفسه عاجزا عن تأمين حقه في الصحة.
*وفي التعليم، تتراجع قيمة المعرفة حين تنفصل الشهادة عن الكفاءة والمؤهل عن القدرة والجامعة عن البحث والإنتاج.* فالتعليم الذي لا ينمي التفكير النقدي ولا يؤسس للبحث والابتكار، ولا يربط التخصص بحاجات المجتمع، يفقد رسالته مهما تضخمت أعداد الشهادات. وحين أصبحت الشهادة وسيلة للحصول على وظيفة وليست دليلا على امتلاك المعرفة والمهارة، تحول التعليم من استثمار في العقل إلى سلعة، وأصبحت الجامعة عرضة لفقدان دورها في بناء الإنسان. ويزداد الخلل حين تتقدم الوساطة والنفوذ على الاستحقاق، فتُهمش الكفاءات، وتُهدر طاقات الشباب، ويصبح الوصول إلى الفرص أهم من الجدارة بها. عندها لا يخسر الفرد وحده إنما يخسر المجتمع قدرته على التطور وتخسر الدولة أثمن مواردها وهي العقول التي كان يفترض أن تقود نهضتها. *أما الثروة حين لا تقترن بالعدالة والشفافية تتحول إلى وسيلة لتركيز الامتيازات بدلا من توسيع الفرص.* فعندما تتداخل السلطة بالمال وتضعف الرقابة وتغيب قواعد المنافسة العادلة، يصبح الوصول إلى الموارد والمنافع أقل ارتباطا بالكفاءة والعمل، وأكثر تأثرا بالنفوذ وشبكات المصالح. وتتكدس المكاسب لدى فئات محدودة، فيما تواجه قطاعات واسعة من المجتمع ضغوط المعيشة وتراجع الخدمات وضيق فرص العمل المنتج. وهكذا لا يعود الفقر مجرد نقص في الدخل إنما حرمانا من الفرص وتآكلا في الكرامة وشعورا بأن الثروة الوطنية لا تنعكس على حياة المواطنين. وتصبح الطبقية أكثر رسوخا حين تتوارث فئات النفوذ فرصها وامتيازاتها، بينما تكافح الأغلبية للوصول إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة. إن المعضلة الليبية تكمن في الفجوة بين ما تملكه البلاد من ثروة وما تحققه هذه الثروة من نتائج في حياة الناس. فالاقتصاد الريعي مهما ارتفعت عوائده لا يصنع وحده اقتصادا منتجا ولا يبني نظاما صحيا كفؤا، ولا يؤسس تعليما عالي الجودة، ولا يحقق العدالة بمجرد توزيع الأموال. فالإيرادات لا تصبح تنمية إلا حين تتحول إلى مؤسسات فاعلة، وخدمات جيدة، وفرص عمل منتجة، واقتصاد متنوع، واستثمار مستدام في الإنسان. وليست كثرة الإنفاق دليلا كافيا على النجاح فالمعيار الحقيقي هو ما يحققه الإنفاق من نتائج، وما يضيفه إلى حياة المواطنين من أمن صحي ومعرفي واقتصادي، وما يفتحه أمامهم من فرص عادلة. إن استعادة المعنى الوطني للثروة تقتضي إعادة ترتيب الأولويات فالصحة حق أصيل وليست امتياز، والتعليم بناء للعقل وليس تجارة بالشهادات، والوظيفة مسؤولية واستحقاق وليست غنيمة، والمال العام أمانة للأجيال وليس وسيلة لتراكم المصالح الخاصة. وهذا يتطلب نظاما صحيا عاما يضمن العلاج الجيد، وتعليما يستعيد قيمته بربط الشهادة بالكفاءة، واقتصادا يخلق فرص العمل والإنتاج، ومؤسسات تخضع للشفافية والمساءلة، وعدالة اجتماعية تمنع تحول الثروة الوطنية إلى امتياز للقلة وحرمان للأغلبية. فالثروة التي لا تحمي المريض، ولا تنير عقل الطالب، ولا تصون كرامة المواطن، تظل عديمة الأثر مهما عظمت أرقامها. وإذا تحولت الخدمات الصحية إلى أسواق لتجارة المرض واستثمار آلام الناس، وتحولت المؤسسات التعليمية إلى دكاكين للشهادات، يُباع فيها المؤهل وتُفرغ فيها المعرفة من قيمتها، فإن الخلل لا يقتصر على قطاع بعينه إنما يمتد إلى أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع وإلى معنى الثروة نفسها. فالمرض الذي يتحول إلى فرصة للربح، والتعليم الذي يتحول إلى تجارة، والوظيفة التي تصبح غنيمة، كلها مظاهر لاختلال الأولويات حين تتقدم المصالح الخاصة على الحق العام. *إن إصلاح ليبيا يبدأ من تحرير الثروة من الريع الذي يستهلكها دون أن يبني الإنسان، ومن إغلاق أسواق تجارة المرض ودكاكين الشهادات، واستعادة الصحة والتعليم رسالتهما بوصفهما حقين وليسا سلعتين، وتعجيل تحقيق العدالة الاجتماعية حتى تصل ثمار الثروة إلى المواطنين بعدل وكرامة.* ويقتضي ذلك إخضاع المال العام للرقابة والمساءلة، وربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس، وحماية الكفاءات، وتكافؤ الفرص، وتنويع الاقتصاد بما يضمن ألا يظل مستقبل الأجيال رهينة مورد واحد أو شبكات مصالح محدودة. *فليبيا لا ينقصها ما تختزنه أرضها من ثروات إنما أن تتحول هذه الثروات إلى حياة تليق بأبنائها. والإصلاح الحقيقي ليس في زيادة الإيرادات أو تضخيم الإنفاق، وإنما في إغلاق أبواب الارتزاق من مرض الإنسان وجهله، وفتح أبواب العلاج والمعرفة والعمل الكريم، وإقامة عدالة لا تحتكر فيها القلة منافع الوطن فيما تتحمل الأغلبية أعباءه. فالثروة التي لا تصنع صحة ولا تبني معرفة ولا تحقق عدالة، تفقد رسالتها التنموية والوطنية وتصبح وفرة في المال يقابلها فقر في الحياة. أما الثروة التي تُحسن الدولة إدارتها فهي التي تجعل الإنسان غايتها والكرامة معيارها والعدالة طريقها والمستقبل مسؤوليتها.*




