«سرادق: كشف الذات».. خمسة وعشرون عاماً من التجربة الفنية والرسائل الإنسانية لمعتوق أبوراوي

تصوير: المنصف الوافي
الفن التشيكيلي ليس مجرد ألوان تتعانق على مساحة من القماش، أو خطوط تتشكل لتصنع صورة، بل هو لغة إنسانية عابرة للحدود، تختزن ذاكرة الشعوب وتجاربها الحضارية، وتفتح نوافذ الحوار بين الثقافات، ليصبح الإبداع جسراً يصل الماضي بالحاضر، ويعبّر عن الهوية والرؤية الإنسانية للعالم.
وبالفن تتلاقى الحضارات وتتلاحم الثقافات، لتقدم إبداعاً راقياً يخاطب المتلقي بلغة الجمال والإحساس الإنساني العميق، ويسهم في تشكيل إرث فني تتعدد فيه الرؤى ومنابع الجمال. ولم يكن البحر المتوسط حاجزاً بين الحضارات، بل شكّل، عبر محطات تاريخية عديدة، فضاءً للتواصل وتبادل المعارف والتجارب. ومن خلال هذا الفضاء المتوسطي، تلتقي الأبعاد الحضارية والثقافية الليبية والإسبانية في تجربة الفنان التشكيلي الليبي العالمي الدكتور معتوق أبوراوي، الذي جعل من الفن مجالاً ثرياً للتفاعل الثقافي والجمالي.

وتكتسب تجربة أبوراوي أهمية خاصة لما تتيحه من تأمل في علاقة الفنان بمحيطه الثقافي والإنساني، وقدرة الفن الليبي على الحضور عالمياً بلغة بصرية خاصة. فقد أتاحت له تجربته الأكاديمية والفنية في مدينة غرناطة الإسبانية الاحتكاك بفضاء ثقافي وفني غني، انعكس في مسيرته الإبداعية، دون أن تنفصل أعماله عن الذاكرة الليبية وتجارب الإنسان وتحولات المكان.
وفي هذا السياق، افتُتح مساء السبت الموافق 24 أكتوبر 2026، بدار الفنون في طرابلس، معرض الفنان معتوق أبوراوي «سرادق: كشف الذات»، بتنظيم من الهيئة الليبية للبحث العلمي، وبرعاية السفارة الإسبانية ودار الفنون. ويضم المعرض مختارات من أعمال الفنان التي تلخص خمسة وعشرين عاماً من التجربة والبحث الفني، وتمنح الزائر فرصة للتأمل في محطات من مسيرة إبداعية جعلت من اللون والتكوين وسيلتين للتعبير عن الذاكرة والوجود والتحولات الإنسانية. ويستمر المعرض حتى 12 نوفمبر المقبل، في تأكيد على دور الفن في مد جسور التواصل بين الثقافات وتحويل اختلافها إلى مساحة مشتركة للحوار والجمال.

كلمات الافتتاح.. الفن جسراً للتواصل الثقافي
واستُهل حفل الافتتاح بكلمة لمدير دار الفنون، المهندس خليفة المهدوي، رحّب فيها بالحضور، معبّراً عن تقديره للفنان معتوق أبوراوي وللأعمال التي يحتضنها المعرض، ومستعرضاً محطات مهمة من مسيرته الفنية.

من جانبه، أكد سفير إسبانيا لدى ليبيا، السيد خافيير سوريا كينتانا، عمق العلاقات الليبية الإسبانية، ولا سيما في المجال الثقافي، معتبراً المعرض إحدى ثمار التعاون المشترك بين البلدين. كما أشار إلى مسيرة الفنان الأكاديمية والفنية، وتخرجه في جامعة غرناطة الإسبانية، ودوره في الحراك الفني الليبي والإسباني، معرباً عن أمله في استمرار التعاون بين الشعبين الصديقين والمؤسسات الثقافية في البلدين.

وبدوره، توجّه الفنان معتوق أبوراوي بالشكر والتقدير إلى الحضور على مشاركتهم وحرصهم على حضور معرضه الشخصي، مقدماً شرحاً موجزاً للأعمال المعروضة وما تحمله من رسائل إنسانية تتناول الهجرة والمعاناة وقضايا الإنسان، وما يختبره من آلام وتحديات في رحلته نحو حياة أكثر أمناً وكرامة.

وفي تصريحٍ خصّ به الصحيفة، تقدّم الفنان معتوق أبوراوي بخالص الشكر والامتنان إلى دار الفنون، بإدارة المهندس خليفة المهدوي والأستاذ حمزة المهدوي، تقديراً لجهودهما الحثيثة في إعداد المعرض وتجهيزه، وللاستضافة الكريمة. كما أعرب عن شكره للسفارة الإسبانية بحضور السفير الأنيق خابير سوريا والقنصل النشط مانويل باينا، وللهيئة الليبية للبحث العلمي بقيادة الدكتور فيصل العبدلي على الدعم والمؤازرة، ولكل من شرفنا بالحضور اليوم ليشاركونا هذا العرس الثقافي.
إن هذا الاحتفاء الجميل يؤكد تعطش الجمهور للإبداع، ولكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على تحدٍ جوهري نعانيه، وهو النقص الحاد في المتاحف وقاعات العرض الدائمة والمجهزة لبيع وعرض الأعمال الفنية.
إن اللوحة الليبية، بتاريخها وجمالياتها، تستحق أن تجد ‘بيتاً’ دائماً يليق بها، ومساحات احترافية تفتح أبوابها طوال العام أمام المتذوقين والمقتنين، لنرتقي معاً بصناعة الثقافة والفن في بلادنا.”
الريشة واللون.. لغة تتجاوز حدود التعبير

فالريشة واللون واللوحة في تجربة معتوق أبوراوي ليست مجرد أدوات للتعبير، بل امتداد ليد الفنان وجسر تعبر من خلاله مشاعره وأفكاره ورؤاه. فبحركة الريشة تتشكل هوية العمل وإيقاعه، سواء عبر ضربات قوية وجريئة تنبض بالحيوية، أو لمسات ناعمة وهادئة تستدعي التأمل. وفي هذا الحوار المتواصل بين الريشة واللون، تتحول مساحة القماش البيضاء إلى عالم بصري متكامل، يروي حكاية ويجسد فكرة ويختزل إحساساً إنسانياً، لتغدو اللوحة مساحة مفتوحة للتأويل، يلتقي فيها وجدان الفنان بخيال المتلقي.
وتميّزت أعمال أبوراوي، التعبيرية منها والتجريدية، بقدرتها على تحويل اللون والخط والتكوين إلى لغة بصرية تنبض بالمشاعر والدلالات الإنسانية. ففي أعماله التعبيرية، تتجلى ملامح الإنسان وانفعالاته وما يختزنه من آلام وتساؤلات، بينما تنفتح أعماله التجريدية على عوالم من الحركة والتداخل اللوني، حيث تتحرر الأشكال من صورتها المألوفة، لتمنح المتلقي مساحة أوسع للتأمل والتأويل.
وبين التعبير والتجريد، تتجلى خصوصية تجربته الفنية في قدرته على جعل اللوحة فضاءً حياً تتداخل فيه الأحاسيس والرؤى، ويصبح فيه اللون أكثر من مجرد عنصر جمالي؛ إذ يتحول إلى وسيلة للكشف عن أعماق النفس الإنسانية واستحضار أسئلتها وقلقها وأحلامها.

الهجرة وقوارب الموت.. مأساة إنسانية تتجاوز الحدود
وتتناول بعض أعمال الفنان قضية الهجرة غير الشرعية، وما تحمله من مآسٍ إنسانية تختزلها قوارب الموت التي تمخر عباب البحر المتوسط محمّلة بأحلام الباحثين عن حياة أفضل. وتكشف هذه الأعمال وجوه المعاناة التي تبدأ برحلة محفوفة بالمخاطر، وقد تنتهي بفقدان الأرواح في أعماق البحر، أو بالنجاة من الموت والدخول في رحلة أخرى من المعاناة، عنوانها صعوبة الاندماج في ثقافات جديدة، وتحديات العمل والغربة، والبحث عن فرصة تضمن العيش الكريم.
ومن خلال لغته التشكيلية، يضع الفنان المتلقي أمام مأساة إنسانية تتجاوز الحدود والجغرافيا، وتطرح أسئلة عميقة حول الحلم والأمل والفقد، وحق الإنسان في حياة آمنة تحفظ كرامته وتمنحه فرصة لبناء مستقبله.

معاناة الإنسان.. صراع يومي من أجل العيش الكريم
ولا تقف الموضوعات الإنسانية في أعمال أبوراوي عند حدود الهجرة والغربة، بل تمتد إلى معاناة الإنسان في تفاصيل حياته اليومية، وما يواجهه من مشقة في سبيل العيش الكريم داخل وطنه وبين أهله، وهو يصارع قسوة الحياة وتقلباتها، ويبذل جهده لحماية أسرته وتأمين قوت يومه، مقدّماً احتياجات أحبائه على احتياجاته الشخصية.
وقد تناول الفنان هذه المعاناة بريشته الإنسانية العميقة، مستلهماً من تجارب الحياة واحتكاكه بمحيطه الإنساني صوراً تختزل آلام الإنسان وصموده، وتكشف عن كفاحه المتواصل من أجل الكرامة والاستقرار. إنها رسالة إنسانية تتجاوز حدود المكان والثقافة، تنبع من معرفة عميقة بالإنسان وقضاياه، وتمنح تفاصيل الحياة اليومية أبعاداً فنية تلامس الوجدان، وتستنهض الإحساس المشترك بمعاناة البشر وآمالهم.
حضور ثقافي وتقدير للتجربة الفنية

وشهد افتتاح المعرض حضوراً لافتاً من محبي الفن التشكيلي وعشاق اللون والريشة، إلى جانب عدد من الدبلوماسيين والأكاديميين والإعلاميين، فضلاً عن أصدقاء الفنان وأفراد أسرته. وتجول الحاضرون بين الأعمال المعروضة، معبّرين عن إعجابهم بما تحمله من ثراء فني وعمق إنساني.
وعكست اللوحات، بتنوع أساليبها وموضوعاتها، تجربة فنية تتجاوز حدود الجغرافيا، برسائل إنسانية عالمية تنطلق من خصوصية التجربة المحلية، وتلامس قضايا الإنسان وأسئلته المشتركة، مؤكدة قدرة الفن الليبي على الحضور في المشهد الثقافي العالمي ومخاطبة الوجدان الإنساني بلغة الجمال والإبداع.
ويظل معرض «سرادق: كشف الذات» مساحة للتأمل في تجربة فنية امتدت خمسة وعشرين عاماً، وفي قدرة الفن على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب إنساني مشترك، يلتقي فيه المحلي بالعالمي، وتصبح فيه اللوحة أكثر من عمل بصري؛ إنها شهادة على الإنسان، وأحلامه، ومعاناته، وتطلعه الدائم إلى حياة أكثر كرامة وجمالاً.





