كتاب الرائ

اشتراكية المصطلح اللغوي القديم بين ليبيا ومصر

د. عبدالعزيز الصويعي

اشتراكية المصطلح اللغوي القديم بين ليبيا ومصر 3-2

د. عبدالعزيز الصويعي

1- الوزن الصرفي للفعل الماضي :

نجد في اللهجات الأمازيغية ظاهرة الفعل الماضي الذي يوزن على المضارعة مثل ( يوسيد( جاء (وطس) نام وكلاهما مبدوء بالياء و ( إكرز) –حث ، و (كركب ) دحرج وكلاهما مبدوء بالألف . والبعض يصرَ على أن كل هذه الأفعال مبدوء بهمزة مكسورة ، وهي التسهيل مثل : بئر بئر .. وهذا يعني أن الفعل الماضي الأمازيغي يرسم بصيغة المضارع العربي ، فنابت الهمزة الياء المضارعة العربية . وهذا ما نجده في اللغة الأكدية (المدونة منذ الألف الثالث قبل الميلاد ) حيث نلاحظ فيها الفعل الماضي مبدوء بهمزة مكسورة كما لو نائبة عن الياء التي في الفعل المضارع العربي ، مثل (إ ي رس) أى قسم و (إصيت) – أي مسك و (إكسد) أي وصل وربما ترسم الهمزة على النبرة |، وربما أيضاً تنطلق ياء أما في المصرية القديمة فنجد مثلا الفعل ( يرنف) بمعنى (صنع) وصيغته مضارعية تدل على الماضي أيضا تنطلق ياء أما في المصرية القديمة فنجد مثلا الفعل (يرنف ) بمعني (صنع) وصيغته مضارعية تدل على الماضي حسب وزن الصرفي العربي . وقد أثر ذلك على أسماء الأعلام الليبية مثل : يعمر ويعلى ويخلف على وزن : يعرب ويشجب ويثرب اليمنية ، إذ يبدو أن اللهجة الجنوبية وصلت ضمن اللغة العروبية الأم إلى وادي النيل قبل تأسيس الأسرات وبلاد ما بين النهرين قبل تأسيس الدولة الأكدية في حدود الألف الثالث قبل الميلاد .

2- التطور الدلالي للفظ :

انتقينا من اللهجة الأمازيغية (القبائلية) كلمة (سِيف) – نهر ، وربما (آسفي) ونهر (تنسيفت) و(كرسيف) على نهر الملوية في المغرب الأقصى منها ونجد في _آلهة مصر العربية ) للدكتور علي فهمي خشيم (رحمه الله ) لفظةَ (إسف –ت) المصرية التى شرحت على أنها تعني : خطأ إثم خطيئة ذنب ، جريمة ، شر ، عسف .. وفي إطار التطور الدلالي يصل الجذر المصري القديم (إسف) إلى معنى (القطع) والسيف في العربية معروف .. وبالعودة إلي اللفظ الأمازيغي (سيف) نجد أن النهر يقطع السهل بين الجبل والبحر ، والعامة يسمون الرمال التي تقطع الطريق ب (السيوف ) جمع (سيف ) وهذا يعني أن التطور الدلالي أثر في الجذر الثلاثي (س ي ف ) وثنائِية (س ف) وجعل له عدة معان قد لا تبتعد عن دلالته الحقيقية القديمة ، مثل ما في العربية : (سفت ، سفح ، سفر ، سفل ، سفك ..) وفي جميعها معاني القطع والشق والدناءة والإقلال والذهاب بالشيء ..

3- علامة التثنية :

لاتوجد في الأمازيغية أو التماشقية التارقية علامة تثنية مميزة كما في العربية (الأف النون ) المتصلان بالاسم في حالة الرفع و ( الياء والنون) في حالتي النصب والجر . فتستعين الأمازيغية بالمقطع (سن) للتعبير عن التثنية ، مثل ( سن إتران) = إثنان من النجوم ( نجمان ) . وهي تماثل تماماً المصرية القديمة مثل (سن وي ) إثنان من الإخوة (أخوان ) ونلاحظ أن لفظ (سن ) الليبي والمصري مبدل من (ثن) وهو جذر (إثنان) العربي . كما أن تعاقب الحرفين (ث)و(س) لا يزال قائماً في اللهجات المشارقية العربية إلى الآن .

4- الضمير الغائب المتصل :

الضمير الغائب المتصل بالاسم في الأمازيغية ينطلق (سينا) بدل الهاء العربية ، مثل (باباس) أي أبوه أو أبوها . أما الجمع فتضاف نون الجمع إلى تلك السين مثل (ماوننسن) = أفواههم . و(سن) هذه ليست كأولى الخاصة بالتثنية ، فهي مبدلة من (الهاء والميم ) = هم . ونجد هذه السين في المصرية القديمة تنوب الضمير المؤنث المتصل بالفعل ، مثل ( سزم_ س ) = تسمع (هي) وكذلك في الجمع مثل (سزم – سن) = يسمعون (هم) علاوة على أن ضمير المؤنث الغائب المنفصل في إحدى مراحل اللغة المصرية القديمة = (ستت) ويبدو أن لفظ (ست = أي مرأة ) في اللهجة المصرية الحالية منه . وتجدر الملاحظة أن حرف (التاء) من فصيلة حرف (الهاء) فجاءا متعاقبين وأحياناً متابدلين مع (الثناء) والسين) أو (الشين) في العديد من اللغات العروبية القديمة ، مثل ما في اليمنية ( بيتس = أي بيته) أو الشين في العديد من اللغات العروبية القديمة ، مثل ما في اليمنية : ( بيتس = أي بيته ) السين بدل التاء المربوطة ( النات + أي الناس ) التاء بدل السين . وفي باب الإبدال بين التاء والثاء والسين والشين نجد لفظة (ثوم) في اليمنية والحبشية = (سومت) وفي الآرامية = (توما) وفي العبرية (سوم ) وفي الأكدية = (شومو ) .

5- تعاقب وإبدال الحروف

توجد في لغة الخطاب الأمازيغي ألفاظ حروفها مبدلة بطريقة توحي بأنها لم تؤخذ من اللغة العربية العدنانية في زمن ما بعد الفتح وإنما هي متأصلة في اللغة الليبية القديمة حتى وإن كان اللفظ إسلاميا مكتسبا حديثا غير أن هذه الظاهرة الفولولوجية نجدها في منطوق اللهجات العربية في البلدان المشارقية ولا نجد لها أثرا في اللهجات العربية في البلدان المغاربية. فلفظ (الصلاة) مثلا انقلب صاده إلى (زاي) فصار (تزاليت) وكذلك (الصوم) = أزومي، وهذه الظاهرة نجدها عند كل العرب تقريبا، ويضرب لها السيوطي أمثالا: “جاءتنا زمزمة من بني فلان وصمصمة أي جماعة، ونشزت المرأة ونشصت، والشرز والشرص:وهو الغلط من الأرض”، وكذلك فعل العرب والأمازيغ على حد سواء مع السين فحولوها إلى زاي وباختصار شديد فإن ظاهرة تعاقب الحروف متأصلة في اللغات العروبية القديمة ولا داعي لضرب كثير من الأمثال لإثباتها في هذا المبحث.

ولكن الظاهرة الفولولوجية الأبرز في سياق مقارنتنا بين المصرية والليبية القديمتين، هي ظاهرة إبدال الجيم المعطشة بكاف معقودة وهي أكثر استعمالا في مصر حالياً ويقول البعض أنها أصل في اللغة القبطية المستمدة جذورها من اللغة المصرية القديمة، ويقول آخر أنها أصل في لغة أهل اليمن مستشهدا بما قاله النبي الكريم (صلوات الله وسلامه عليه)
حين قرأ عليهم “هي ركس” و “حتى يلك الكمل في سم الخياط”. وهذه الظاهرة ليست مستخدمة في لهجات المغرب، ولكن الغريب أننا لاحظنا أثرا لها في اللهجتين العربية والأمازيغية على حد سواء، وذلك مثل:

يسقي سكان المغرب العربي نوعا معينا من التمور الراقية (دكلة) (degla) ويتبادر للذهن أن أصلها (دقلة) بالقاف المستخدم بكثرة في بلاد المغرب، ولكن الواضح أن الأصل (دجلة) (deJla ) بجيم معطشة وليس بكاف معقودة، وذلك نسبة إلى نهر دجلة بالعراق الغني بأشجار النخيل وإنتاج التمور، ونحن نصف الفتاة ممشوقة القوام بـ (العيسوكة) وهي من (العسج) = مد العنق عند المشي وفي المغرب الأقصى يسمى “الأستاذ محمد شفيق” المرأة التي تذكر محاسن العروس (النكافة) وهي من (النجف) = الرفعة. وهنا يبرز التأثير – إما المصري أو اليمني – على لهجات المغاربة.

نطق بعض الأمازيغ منذ إسلامهم كلمة (مسجد) هكذا (تمزكدا) (tamezgda) وفيها إبدال الجيم بكاف معقودة، وكذلك السين بزاي، علاوة على تاء التأنيت التي تضاف إلى بعض الأسماء المذكورة المستعارة من اللغة العربية حسبما ذكره الأستا “محمد دبوز”.

6- الضمائر :

تنفق الضمائر المصرية والليبية في العديد من الخصائص ، مثل تعاقب التاء والهاء مع السين ، والحفاظ على حرف النون في العديد من الضمائر مثل ما في العربية ( أنا ، نحن ، أنت ) وتعاقب الميم والنون في حالة الجمع مثل ما في العربية (هم وهن ):

– الضمير المصري (نت . ك) أنت يقابله الضمير في لهجة يفرن  أنت وكلاهما يثبت كاف الخطاب .

– الضمير المصري (اان ، ن) نحن يقابله الضمير في لهجات جدو وزوارة ويفرن ونالوت (نت .ف) = الخطاب .

– الضمير المصري (نت . ف) هو يقلبله الضمير في لهجات جادو وزاورة ويفرن ونالوت (نتت ) هو .

– الضمير المصري (نت . س ) هي يقابله الضمير في لهجتي كابو ويفرن ( نيتت ) = هي نلاحظ أن كلاً من السين المصرية والتاء الليبية الأخيرة يتعاقبان مع الهاء العربية كما سبق وأن أشرنا .

– الضمير المصري (أنت . سن ) هم وهن ، يقابله الضمير في لهجات جادو وكابو ونالوت ويفرن ( نيتن ) = هم و( نيتنت ) = هن في لهجة جادو . ونلاحظ تعاقب السين مع الهاء والثبات على تاء التأنيث .

الضمائر المصرية التي ذكرت آنفا عادة ما تكون فاعلاً أو مبتدأ أفعال ، ولكنها منفصلة . أما الضمائر المتصلة الواقعة مفعولاً أو فاعلاً فهي : (وا =أنا) ( ن=نحن) (تو= أنت) (تن =أنت) ، ( تنن = أنتم وأنتن ) سو= هو ) (سي = هي ) (سن + هم وهن ) وتتشابه الضمائر المصرية المنفصلة مع بعض الضمائر الليبية المتصلة مثل (نغ = -نا مع فعل فاعله نحن (س = -ه ، -ها ، مع هو وهي ) (-سن = -هم –هن مع هم هن ) ويمكننا مقارنة كل الضمائر السابقة مصرية كانت أو ليبية بالضمائر الأكدية التى تقترب قليلاً أو كثيراً مع بعضها وتنتفق تماما مع بعضها الآخر مع اختلافات طفيفة : (أناكو = أنا ) ، نين =نحن ، (أت = أنت ) ، (أت = أنت ) (أتن + أنتم ) ، (أتن = أنتن ) ، شو (شو = هي ) (شن = هم ) ، (شن = هن ) .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى