كتاب الرائ

الياسمين

آسيا الشقروني

بعد هذا العمر الذي شارف على الخمسين وبنظرة بسيطة للخلف الذي لا أراه بعيداً بقدر ما تحمله كلمة خمسون من طول مدة ، أجد أنني مازلت أتشبت بكل حلم حلمت به مهما كان صغيراً أو مستحيلاً ،،، صحيح أنه تحققت لي الكثير من الاشياء التي لم أكن أحلم بها ولكن طبيعة الانسان الأنانية وربما طبيعتي التي لم تجعلني أتخلى عن حلمي الصغير في أن تكون عندي شجرة ياسمين.

تكّون هذا الحلم عندما تزوجت أختي وكان عمري حينها إحدى عشرة عاماً وكان في بيتها شجرة ياسمين كبيرة تملأ رائحتها أرجاء البيت وفي المساء عندما كنا نجلس في الفناء الأمامي كانت رائحة الياسمين تغطي على أي رائحة غيرها ومع أنه كانت هناك أشجار أخرى مسك الليل وورد عربي ولكن أنفي أبى إلا أن يستقبل فقط رائحة الياسمين هذه الرائحة التي أصبحت تسكرني كلما أشتمها انفي.

شجرة ياسمين أختي أختزلت كل ياسمين العالم ومنذ ذلك العمر لم أتذكر إنني شممت رائحة الياسمين ولم ترجعني الذاكرة إلى تلك الايام البعيدة وإلى فناء بيت أختى وحجرة نوم أختى العروس وكل الاشياء التي كُنت أراها مبهرة في ذلك الحين، عطورها ومكياجها وحتى آواني الطقم الصيني ورسومه الزرقاء وعربة المائدة البنية المطعمة بالذهبي التي لم أتذكر أنهم أستخدموها في يوم من الأيام.

وفي بلدة أجدادي الجبلية توجد أشجار ياسمين والتي بالتأكيد زرعت حديثاً لأن أجدادي الذين عاشوا طبيعة قاسية لم يؤمنوا بهدر ماءهم الغالي على شجر لا يثمر ولا يعود عليهم بفائدة،،،وحين زرعها الأحفاد لم تكن شجرة الياسمين مثلما عهدته بها،،، كانت قليلة الأزهار ولكن ذات رائحة قوية وتختلف اختلاف بسيط عن الياسمين الذي عهدناه،،، وتلك طبيعة النبات أن يكتسب صفاته من صفات المكان الذي يوجد به.

أيضاً عندما كنت في إجازة في مدينة الحمامات بتونس وتحديداً منطقة إسمها ياسمين الحمامات وهي منطقة سياحية حيث كان ينتشر الياسمين فى كل مكان من الهوتيل الى الطرقات الى زوايا المقاهي والمطاعم لم يفلح صخب الحياة وزحمة السياح في أن تمنع ذاكرتي أن تعود بي الى أول مرة إشتممت فيها رائحة الياسمين.

وبما أنني قررت أن تكون لي شجرة الياسمين الخاصة بي التي تلقي بعبيرها علي كلما مررت بجانبها وبمجرد أن أصبح لي بيت به مساحة ترابية صغيرة قمت بزارعة شجرة ياسمين أوليتها كل عناية ووفرت لها كل ما قيل انها تحتاجه،،، ولكنها وبعد خمسة عشرة عاماً آبت أن تكبر بحجم أشجار الياسمين الاخرى والتي أراها تطل بتكاسل من أسوار بعض الفلل وتتفاخر بعطرها وتلقي بورودها وتمنحه لكل العابرين.

وبالرغم من إنني أنا أيضاً زرعت شجرتي بجانب السور لتكبر على سور منزلي مدليةً بأغصانها وفروعها كصبية جميلة تجلس على الشرفة وتسدل شعرها الغزير الطويل لتتباهى بجمالها أو ربما لتجففه بعد حمام دافئ في يوم شتوي كما كنت أفعل وأنا صغيرة حين تقول لي أمي إجلسي في أحد درجات السلم حيث تكون الشمس ليجف شعرك لان أمي كانت مرتعبة وتظن أن التي لاتجفف شعرها وتنام وهو رطب سوف تمرض وتموت وحين كنت أناكفها تقول حسناً على الأقل حتى لاتصابي بالقشرة في فروة رأسك.

لا أعرف اليوم أين إختفت شعور الصبايا أو ربما أعرف …إنها إختفت تحت أوشحة سوداء وغيرها ملونة وإختفى معها الفرح والبهجة برؤية الجدائل الجميلة .

ياسمينتي  تسلقت السور ولكنها أبت أن تتجاوزه وآبت أن تكبر وآبت أيضاً أن تموت بعد خمسة عشر عاماً ،،،فهي تنمو ولكن بحذر وتزهر ولكن بالميزان والقسطاس، ربما هي خائفة مثلي مما تجده في الخارج وربما هي تخشى أن ترى خارج السور ما لا يسرها ولكنها عنيدة مثلي تأبى أن تذبل أو تموت وتأمل بمستقبل أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى