كتاب الرائ

بمناسبة الحديث عن الدستور

بمناسبة الحديث عن الدستور 

الدستورية – الدستور

الدستورية فكرة وحركة ونظام وهي مصطلح سياسي قانوني يشتق لفظا من الدستور ، ولكنه ينطوي على جملة مضامين سياسية وقانونية واجتماعية ، تعود جذورها إلى تاريخ نشوء الدولة في العهود القديمة وتطورها في العصر الوسيط وفي تاريخ المعاصر،

إن البشر على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم، يعيشون دائما في مجتمع سياس، ولكل مجتمع سياسي ، أيا كان وإطاره ودرجة تطوره سلطة تتولى قيادته، وهذه السلطة قد تتجسد في شخص او في هيئة ، غير ان السمة الرئيسية في المجتمع السياسي هي وجود السلطة السياسية تنزع بطبيعتها إلى الإكراه والسيطرة والسيادة لأمر الذي يستتبع بالضرورة ظهور تفاوت في القدرة بين الحاكمين والمحكومين ، فالحاكمون يبتغون السيطرة والسيادة بطريق الإكراه والمحكومين ينشدون الحرية بطريق إيجاد الوسائل التي تحد من الإكراه او تنظيم سبل ممارسته بما يؤمن التضامن الاجتماعي ويحقق المصلحة العامة، ومن هنا تنبع جذور الدستورية ، فهي نزوع إلى تقنين وسائل الإكراه على نحو يقيد الحاكمين والمحكومين على سواء.

إن الدستورية من حيث كونها فكرة إخضاع السلطة – سلطة الحاكمين – في مركزاتها وأهدافها وممارستها إلى قانون أساسي وضعي مدون وثيقة خاصة تكون في الوقت نفسه مخططا عاما للحياة في المجتمع السياسي ، ومصدرا أعلى لسائر القوانين في الدولة مهيمنا عليها ، ومحاطا بضمانات تحميه من أهواء الحامين وبإجراءات خاصة لتعديل لأحكامه ومؤسسات لمراقبة سيبل تنفيذه والتقيد بروحه ونصه.

ويجمع علماء القانون الدستوري في الغرب ومن تتلمذ على أيديهم في الشرق اعتبار الدستورية كما هو الحال بالنسبة للدولة هي وليدة المجتمعات الغربية ومدنية لها في نشوئها وتطورها لكن النظرة الموضوعية تقتضي القول ان المجتمعات الشرقية كان لها دورا مهما وبارز في توليد هذه الفكرة وتطورها، وربما أسبق حتى من المجتمعات الغربية في هذا السياق، وإذا كانت الدستورية كفكرة تعني في نهاية المطاف، تقييد الحاكمين والمحكومين بطائفة من القواعد الأساسية تحدد لكل من الفريقين حقوقه وواجباته فإن الدولة الإسلامية في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام كانت رائدة في هذا المجال قبل الغرب في سن دستور مكتوب عرف بإسم الصحيفة بين المسلمين وأهل الكتاب يحدد الحقوق والواجبات ويوزع المسؤوليات ، وينص على مبادئ عامة وأمور عاجلة.

وبالرجوع إلى هذا الدستور (الصحيفة) الذي ينطوي عمليا على 47 فقرة يقع المرء عند تحليله على مبادئ عامة أهمها في الرأي ظافر القاسمي، تكوين الأمة وتعريفها وبيان الحقوق والواجبات المترتبة لفئاتها وعليها ، واعتبار أهل الكتاب الذين يعيشون مع المسلمين” مواطنين وأمة مع المؤمنين ما دامو قائمين بالواجبات الملقاة على عواتقهم ” فاختلاف الدين لا ينفي مبدأ المواطنة كما كان عليه الحال في الدول الأوروبية التي عاصرت الدولة العربية الإسلامية.

وقد نصت ” الصحيفة ” على جملة من مبادئ وقواعد ومفاهيم منها المساواة، ومنع البغي  “الظلم” وقتل القاتل ، ومنع إيواء المجرمين، ومنع الصلح المنفرد ، ووفاء الدين عن الغارمين وفداء الأسرى ، ورعاية الجار مع الإبقاء على بعض الأعراف السائدة ، وتعيين تدابير الأمن ، والإسهام في نفقات الدفاع ، وتحديد مرجع الخلاف عن تنفيذ أحكام الصحيفة أو تفسيرها.

الدستورية من حيث كونها فكرة وضع دستور- أي- تقنين القواعد والأحكام العامة في وثيقة خاصة والدستور لغة كلمة مشتقة من الفارسية وتعني الأساس أو القاعدة وهي ترادف نفس المعنى في الفرنسية والإنجليزية الأساس أو التأسيس.

وعليه يمكن القول ان الدستور هو القانون الأساسي الذي يشتمل على المبادئ والأحكام الأساسية التي تنتظم بموجبها الحياة العامة في الدولة . والقواعد التي تخضع لها سلطاتها وهيئاتها الفاعلة وبالنظرإلى أهمية الدستور ومكانته ودوره الرئيسي في حياة الدولة وانتظامها فقد استنبط الفقه الدستوري المبدأ المعروف باسم “سمو الدستور”.

فالدستور يعلو على جميع القوانين والأنظمة حتى إذا تعارضت هذه في روحها ونصها مع أحكامه كان للدستور سيادته عليها بمعنى انه أسمى منها قيمة ومكانة وأرجح قوة وفاعلية الأمر الذي يقتضي ان تخضع لروحه ونصه وأن تتوافق أحكامه وتتلاءم مع مبادئه وقواعده العامة.

والدستور بوصفه وثيقة الحياة السياسية للدولة وأواخر القرن الثامن عشر بصيغتي دستور الولايات المتحدة 1787م وفرنسا 1793م لذلك كان طبيعيا أن يكون ظهور اصطلاح القانون الدستوري مرتبطا به وناشئا عنه.

أما في الوطن العربي فهو مصطلح حديث جدا إذا لم يستعمل إلا بمناسبة صدور دستور العام 1923م في مصر ، وكان الفقهاء يستعملون قبل ذلك تعبير نظام السلطات العمومية، ورغم الاختلاف في تعريفه طبقا لاختلاف في استخدام المعيار اللغوي أو الشكلي أو الموضوعي فأن غالبية الفقهاء تعتمد المعيار الموضوعي الذي يمكن تعريف القانون الدستوري على أساسه بأنه” مجموعة القواعد القانونية المتعلقة بنظام في مجتمع سياسي معين”

ويتفق الفقهاء على أن مصادر القانون الدستوري أربعة:

المصدر المادي أو الموضوعي ويتضمن العوامل العامة كالدين والحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمؤثرات الدولية، والعوامل المحلية كالصراعات السياسية الداخلية والظروف الخاصة بكل دولة.

المصدر التاريخي وهو نظام الحكم في الدولة المعنية من خيث هو برلماني أو رئاسي او ملكي ..الخ.

المصدر الرسمي او الشكلي ويتضمن التشريع والعرف.

المصدر التفسيري ويتضمن القضاء والفقه.

ختاما هذا ملخص موجز تأمل ان يسلط الضوء على الدستوري والدستور وتوسيع دائرة النقاش حول الدستور الذي نريده مستقبلا.

 

 

محمد بالقاسم الككلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى