كتاب الرائ

الصحة الأساس التنموي لكل الشعوب  الصحة والحماية الاجتماعية حق

       د.علي المبروك أبوقرين

 
من المؤسف أن ليبيا التي حققت مؤشرات صحية عظيمة لسنوات عديدة، ولديها قطاع صحي به بنية تحتية مرضية جدا تفتقدها جل دول العالم، يعيش فيها المريض حالياً أسواء الظروف وأحلكها، وأرذل الخدمات الصحية، تتقاذفه وكالات تجارية تدعي التطبيب، وتنهش جسده وجيوبه، فيما الدولة تقف متفرجة على المواطن الواقع بين مطرقة المرض وسندان التجارة، والتربح، والاستغلال، ودفعه للموت أو الافقار، وإجباره على اختيار الانظمة السوقية بالحجج الواهية، التي لم تلجأ لها البلاد حتى في سنوات الفقر والعجز عن تمويل القطاع الصحي.
 
بلادنا التي تطور فيها النظام الصحي في نصف قرن، من النظارة الى الوزارة، ومن الاعتماد على بعض الممرضين المحليين، وقابلات الحي، والعلاجات التقليدية المتوارثة، وبعض الاطباء الأجانب، الذين تواجدوا إما لإرساليات ممنهجة، أو بصحبة الجاليات المستوطنة، أو بسبب الاستعمار وخصوصا الإيطاليين، الذي أنشأوا عدد من المستشفيات (سبيتارات)، وقليل من المستوصفات، معتمدين على الراهبات (السوريلات)، والتمريض المحلي الذي قام بدور الأطباء لفترة طويلة ….
 
واهتمت الدولة بعد الاستقلال بالصحة، واستعانت بالإداريين، والفنيين، والأطباء، والتمريض من بعض الدول، واهتمت المنظمات الدولية المتخصصة ببرامج التوعية والتحصين بالتطعيمات، والتغذية الصحية، وتم ارسال الطلبة لدراسة الطب في بعض الدول، وتحسنت الخدمات الصحية نوعاً ما في الستينات، بعد الاهتمام بتدريب التمريض، وتوفير الأدوية، واستجلاب العناصر الطبية من الدول الصديقة والشقيقة.
 
وفي السبعينات والثمانينات، شهد القطاع الصحي تطور غير مسبوق، لتوفر التغطية المالية، وتنفيذ خطط  تنموية، وابتعاث مئات من الدارسين للطبيات لمعظم دول العالم المتقدم، وافتتاح أول كلية للطب في جامعة بنغازي، وتلتها غيرها في باقي المدن، والتوسع في استجلاب الأطباء والتمريض والفنيين وحتى الإداريين في ذلك الوقت، وشهدت تلك الفترة بناء عشرات المستشفيات، ومئات المستوصفات، والوحدات الصحية، والمراكز المجمعة التي وصل عددها بالآلاف، وأدت خدماتها على مدار الساعة، وفي كل ربوع البلاد بعناصر محلية، ومن جنسيات متعددة ومتخصصة. 
 
وإلى نهاية التسعينات، حيث تليب معظم القطاع بعناصر وطنية، أخدت على عاتقها القيام بواجبها في تقديم الخدمات الصحية، والتعليم الطبي بكليات الطب المنتشرة، وفي معاهد التمريض والتدريب، لنيل جوائز التخصص بالمستشفيات الجامعية، والمرضى الذين لا يتوفر لهم العلاج محليا، يرسلوا للعلاج في الدول المتقدمة طبيا، مثل سويسرا، وألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، والنمسا، وإيطاليا، وسجلات وزارة الصحة والمستشفيات الجامعية بتلك الدول تشهد بذلك، ولسنوات عديدة.
 
وتم الاستعانة بأشهر الأطباء العالميين من تلك الدول، لإجراء التدخلات الطبية للمرضى بالمستشفيات الليبية، وبصحبة الكوادر الليبية التي لا تقل عنهم مهارة وعلم، وبمستشفيات مجهزة، وأدوية ومستلزمات طبية من مصادرها الأصلية المعروفة عالميًا، وكل ذلك كان على نفقة الدولة (الشعب أو المجتمع)، سواء لدراسة الطبيات، أو نيل التخصص مهما كانت سنواته وتكاليفه، وكذلك علاج المرضى في الداخل والخارج بتغطية مالية كاملة، لا يتكفل المريض أو أهله بأي مصاريف في تلك الفترة.
 
ثم ساءت الظروف، وتدهورت أوضاع القطاع، وتحولت الصحة من خدمات إنسانية الى مشاريع اقتصادية، وتربح من المرض والمرضى، ونتفاجأ الأن بنداءات يومية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والوسائل الإعلامية، لمن هم في حاجة ماسة لدواء غير متوفر، أو غالي وغير مقدور على تكلفته، وخصوصا جرعات الكيماوي لعلاج الأورام، وأدوية الأمراض المناعية والمزمنة، وأدوية زراعة الأعضاء، وغيرها، أو بحث عن حضٌانة لطفل حديث الولادة، أو سرير عناية لمريض حالته حرجة، ونتفاجأ بنداءات لمساعدة مريض في حاجة للعلاج في الخارج لعدم توفر علاجه في الداخل، وهذا حال الكثير من الحالات المستعصية، والباهظة التكاليف، ونفاجئ بإعلانات لعيادات مجانية دعائية، يتبرع بها بعض الأطباء العاملين في الخاص والعام ! ويتصدقون بجزء من وقتهم لصالح الشعب الفقير، الغير قادر على تكاليف الخاص العشوائي، ولانعدام الخدمات الصحية المقصودة في العام !
 
من المؤسف أننا وصلنا لمرحلة أن العلاج أصبح مقتصر على المقتدر، وهذا للأسف يحدث على مرأى ومسمع الدولة، التي تمتلك هذا الكم من المستشفيات، والأطباء، والتمريض، والتجهيزات، وتمتلك الكليات الطبية، والمعاهد التمريضية المنتشرة في ربوع البلاد، ولديها كل الميزانيات المتضخمة التي تنفق في غير محلها، والمرضى ينفقون كل مدخراتهم على أعتاب مصحات متواضعة في الداخل والخارج، ويلجئون للأدوية والمستلزمات الرخيصة، التي تستجلب للسوق الليبي عن طريق (الكونترا) مجهولة المصدر، وغير موثوقة في معظمها.
 
أين الضمير الإنساني، الذي يتدخل بسرعة لإيقاف ما يحدث؟  لصون كرامة المرضى وذويهم، أصحاب الحق في الدخل العام من مالهم، والأولى بالإنفاق عليهم مما وهب الله هذا البلد من خيرات، إن الليبيين لا يتوسلون علاجهم من المسؤولين، ولا يتسولونه ممن يدعون أنهم أهل الخير والبر، من المرموقين الذين تعلموا وعملوا على نفقة المجتمع …
 
لذا .. يجب على كل المرافق الصحية المملوكة للدولة (الشعب) أن تسارع في تقديم خدماتها المتكاملة بجودة عالية لمستحقيها، وضرورة إيجاد منصة خاصة بالشكاوي، والطوارئ للاستجابة السريعة، لتلبية حاجات المرضى  وذويهم، وربط المرافق الصحية بشبكة الكترونية لتوفير الخدمات الطبية الافتراضية بين المستشفيات، وبعضها في الكشوفات، وتوفير النواقص فيما بينهم، وتسهيل إجراءات الإحالة ونقل المرضى، والتدخلات العاجلة وخدمات الطوارئ، وتوفير الرعاية الطبية المنزلية اللازمة، وتوفير الأدوية بكل أصنافها ومن مصادرها الأصلية، وتوفير خدمات الإسعاف ونقل المرضى براً وجواً، ومنع الاستغلال والمتاجرة في المرضى أصحاب الحق، عن طريق خدمتهم بأفضل الطرق والإمكانيات.
إن الليبيين شرفاء لا ينتظروا مِنةْ ولا عطف من أحدٍ، يطالبون بحقهم في الصحة والعلاج بكرامة وعز، لم يتوسلوها في أحلك ظروفهم المعيشية، وبلادهم أفقر البلدان اقتصاديًا، ولن يتسولوها وبلادهم أغنى البلدان النفطية.
 
هل من ضمير يحمى الناس ويمنع الاستغلال والمتاجرة في المرض؟ إن الصحة أساسً تنموي لكل الشعوب، وخدمات إنسانية لا تخضع للحسابات الاقتصادية، والمشاريع التجارية، وفلسفة الربح والخسارة، فحياة الإنسان لا تقدر بمال، وليبيا – والحمد لله – مَنْ عليها العلي القدير بثروات هائلة، قادرة على الإنفاق على عشرات الانظمة الصحية، وليست عاجزة عن تغطية علاج مرضاها بأفضل السبل وأحدث الطرق.
 
إن الأطباء، والتمريض، والتجهيزات الحديثة، والأدوية، يعج بهم السوق العالمي، وبالإمكان توفيرهم وجعلهم في متناول المواطن أينما كان وحيثما وجد، ولا يجب ان يستمر هذا التردي في الخدمات الصحية، واذلال المرضى وافقار الامة.
 
((حتى الاستعمار البغيض لم يفعل ما يفعله بنو جلدتنا فينا))
ندعو الله ان يرفع عن بلادنا الغمة والبلاء، وعن امتنا الهم والمرض والشقاء.
             
 الحياة حق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى