كتاب الرائ

التمويل الصحي والحال المائل

د. علي المبروك ابوقرين

التمويل الصحي هو الوظيفة الأساسية للنظم الصحية، وهو إستخدام الموارد المالية لضمان قدرة النظم الصحية على تغطية الاحتياجات الصحية الجماعية ولكل شخص بشكل كاف، مع الأخذ في الاعتبار أن نقص البيانات الصحية يؤدي إلى الخلل الجوهري في تحديد الاحتياجات الفعلية وهذا ما تعاني منه معظم النظم الصحية

وللعلم أن إجمالي نفقات الرعاية الصحية وكيفية إنفاق الأموال المخصصة من أهم القضايا الأساسية في الاقتصاد والتخطيط ،واذ يتطلب تخصيص الموارد عملية تخطيط ماهرة لموازنة الإنفاق على هياكل النظم الصحية ومستويات الخدمات ،وضمان تحقيق الإنصاف بين المناطق والمجموعات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة في المجتمع ، وتمكين الحصول علي جميع الخدمات التي يحق لجميع السكان الحصول عليها ، مع ضرورة التخصيص التفضيلي للخدمات الصحية للسكان والمناطق المحرومة ، وضرورة مؤامة المخصصات المالية مع الاحتياجات الفعلية للقطاع الصحي ، مع ضمان الصرف الفعال لجعل نظام الميزانية أكثر مسألة وشفافية .

وهذا يتطلب سياسات حكيمة تعكس وضع الصحة ضمن الاولويات الحيوية ، وتعكس القيمة الاجتماعية والاقتصادية التي تنشدها الأمة في الصحة ، التي تؤثر بشكلٍ مباشر على هياكل ومستويات الخدمات الصحية وجودتها ، وكفاية سعتها الاستيعابية والسريرية ، والقوى العاملة الصحية وتأهيلها ، وجودة أجورها ، وتوفير كل الموارد والإمكانيات آلتي تتماشى مع التطورات التقنية والتكنولوجية والمعرفية ، ونظام التمويل يؤثر بشكل مباشر وكبير على الخدمات الصحية المقدمة ، وبطبيعة الحال الإتفاق المتدني يؤدي لخدمات صحية سيئة ، وانخفاض في رواتب القوى العاملة الصحية ، وعدم كفاية وكفاءة المعدات والاجهزة والمستلزمات الطبية والأدوية ،والتوزيع الغير عادل للموارد ،

ولهذا فان التمويل المركزي يؤدي للتخصيص الرشيد للموارد ، ومع كفاية التمويل المركزي الكلي والسياسات الرشيدة يتعزز الوصول العادل للخدمات الصحية ، والتوازن بين القطاعات الخدمية ، ويجنب التمويل المفرط للخدمات الاستشفائية على حساب تدني مستويات الخدمات الصحية الأولية ، مع ضرورة توفر المعلومات والبيانات الدقيقة عن التكاليف والأسعار والنفقات للتمكن من تحليل السياسات الصحية لتعزيز إدارة التمويل الصحي ، ومن أولويات الإدارة الرشيدة تحديد الأدوار والوظائف المناسبة للتمويل التي تتكامل بشكل جيد مع توفير وتنظيم الخدمات الصحية ذات الجودة العالية ، مع توفير فرص متكافئة للحصة المتوازنة ضمن إطار تمويلي ميسور التكلفة ومستدام ، مع تعزيز أساليب التمويل الصحي وتحسين الإدارة المالية في كامل السلاسل الهيكلية للقطاع ، والتركيز بشكل أساسي على وضع القواعد والمعايير واللوائح لتنفيذ سياسات تمويلية أكثر إنصاف ونزاهة وشفافية تستند على بيانات ومعلومات مالية دقيقة وموثوقة ، ويستوجب التركيز على الحوكمة بدقة على وظائف التمويل .

والتحديات التي تواجه تمويل القطاع الصحي عديدة منها عام ويؤثر بشكل مباشر على تدني الصحة وزيادة الأمراض وارتفاع قيمة فاتورة العلاج , ومنها الثلوث البيئي بكل مستوياته برا وبحرا وجوا ومياه الشرب والاكل والاقتصاد الاستهلاكي العشوائي ، وغياب الرقابة واغراق الأسواق بالسلع والأدوية الفاسدة والمغشوشة ، وتدني وتراجع التعليم العام والعالي ، وبيئات السكن والعمل والمعيشه والدراسة الغير صالحة ، وانتشار بعض السلوكيات الاجتماعية السلبية كالتدخين والمخدرات والكحول وعدم ممارسة الرياضة ، ونقص الوعي المجتمعي بمحددات الصحة ، وتكدس الهجرة الغير شرعية ، والعمالة الوافدة الغير مقننة وظيفيا وصحيًا .

وتحديات أخري تخص القطاع الصحي، ومنها تفتت القطاع لجزر متناثرة وأجسام موازية، وتضارب وتداخل الاختصاصات والتخصصات والوظائف، وغياب التأهيل والتدريب والاعتماد، وسياسات التوظيف المخالفة لأنظمة العمل والتوصيف والملاكات، وغياب العناصر عن العمل والتسرب وازدواجية العمل بين العام والخاص والعام، وتكديس القوى العاملة الصحية والإدارية الغير مؤهلة في أماكن ومناطق ومرافق مخالفة للقوانين وللقواعد التنظيمية.

والتمويل الصحي الليبي يحتاج لوقفة جادة من صناع القرار والجهات التشريعية والتنفيذية ، لإن القطاع الصحي في حاجة لتخصيص لا يقل عن 15 % من الدخل القومي سنويا ، ومضاعفة البنية التحتية للقطاع الصحي لتصل الى من 35 الى 40 الف في السعة السريرية بالمتطلبات العصرية في البناء والتجهيزات والتشغيل والتسيير ، ومضاعفة القوى العاملة الصحية بحد ادنى 35 الف طبيب يغطوا جميع التخصصات لجميع مستويات الخدمات الصحية في القطاع الصحي من التعزيز للتأهيل ، وكذلك زيادة أعداد التمريض المؤهل بمستويين فقط ، النسبة الأعلى للتأهيل الجامعي والمتخصص ، والاقل لمستويات المعاهد العليا والتدريب الراقي ، وكذلك الفنيين المتخصصين والاداريين في كل الفروع والتخصصات الإدارية والمالية المؤهلة للعمل المتخصص بالصحة ،

وللأسف الشديد القطاع الصحي يعاني من انهيار نتيجة للعوامل المذكورة، وعدم فصل العام عن الأنشطة الاقتصادية الصحية الخاصة في الخدمات الصحية والتأمينات الصحية، والتأمين الصحي الذي عظم من الفاتورة على الاصحاء، والفئات الاجتماعية الضعيفة، الذين تكفلوا استقطاعات مالية كبيرة دون توفر خدمات صحية عالية الجودة ومتكاملة، وتغطي جميع التخصصات والأمراض.

وعزز كل ما سبق ذهاب 80% من الموارد الى اقل من 20% من السكان ولم يتبقى لباقي الناس الا الفتات،. والخدمات الصحية الرديئة في مرافق سيئة، وكوادر غير مؤهلة، وبرامج علاجية متواضعة، أو الذهاب مجبرين للصحة المسلعة الرديئة التي تقضي على المدخرات، والدفع المباشر من الجيب.

والتي تترجم القوانين الغير إنسانية مثل قانون ساتون سارق البنوك، أو قانون القبو المزيد من الجراحين المزيد من الجراحة، ويعززه قانون رومر ملء آسرة المستشفيات مجرد الانتهاء من البناء والتجهيزات والتأمين عليها.

والقانون المعمول به بقوة هو قانون ال كابوني التخطيط يعكس مصالح مقدمي الخدمات ولا يعكس مصالح الناس والعامة،

وللتذكير أن العرب والمسلمين بنوا المستشفيات منذ أكثر من ألف عام، وخصصوا لها الوقف الذي يكفيها، ويجعلها تستمر وتتطور، وتقدم خدماتها لكل الناس دون تمييز وبالمجان، وتدفع للمريض مقابل مدة تنويمه وبعد خروجه لمدة تغطي فترة النقاهة حتى يستعيد كامل العافية

وتدفع للأطباء أعلى الأجور. وتوفر أجود الأدوية.

هكذا كانوا وكان التمويل الصحي وكانت للمهنة انسانيتها واخلاقها وقدسيتها.

ليبيا قادرة على تملك نظام صحي قوي ومتقدم دون الحاجة لبدائل تمويلية ولا لتسليع الصحة وللعبث والمعاناة التي نعيشها الآن

الصحة حق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى