كتاب الرائ

مات الشاعر النبيل، الوفي — فرج بوشينة –

جميل حمادة -

مات الشاعر النبيل، الوفي — فرج بوشينة ——

جميل حمادة

كان يأتيني كل اسبوع تقريبا، وكان يجيء ضحى من الخمس، حتى نحظى بنهار كامل من الشعر والرسم والابتكار، والبحث عن قصيدة جديدة مدهشة، لم تكتب من قبل. وكان يبيت لدي احيانا ليلة أو ليلتان، ونمضي النهار نتحدث في شؤون جديد الشعر، ثم نذهب لزيارة بعض الاصدقاء، أو لبعض الصحف. كنا نتحدث عن كل شيء وفي كل شيء، وذلك قبل أن يطبع ديوانه الصعود إلى اسفل، وطبع قبله ديوانا اخر، لا يحضرني اسمه الان، ثم وكأنه قد حظي بليلة القدر عندما أكتشف قصيدة الومضة. كان يفاجئني الصديق الراحل فرج بوشينة كل مرة باكتشافاته، وبمواهبه وبحثه المتواصل دائما عن الجديد في الشعر والابداع. واحيانا كان يمضي معي يوما واحدا، ومن غد يذهب إلى يرمون لزيارة الصديق الشاعر محيي الدين محجوب. وفي أحد المرات تعرف على الشاعر الصديق علاء عبدالهادي، والذي هو الان رئيس اتحاد كتاب مصر، وهو في زيارة لدي، فأعجبه شعره، ثم أكتشف أن فرج يرسم بالألوان المائية بطريقة مبتكرة جديدة، فصار حديثهما المشترك عن آخر لوحات فرج، مثل الجميع تقريبا، فضلا عن آخر قصائده. كان يذهلني اخي فرج بقصائده الومضية التي تشبه لمعة البروق، والتي اعتبرها حتى انها تتجاوز قصائد الهايكو اليابانية، وأثبت ذلك في كتابي، اسئلة القصيدة العربية الحديثة في ليبيا- قصيدة الشباب” كما كانت تدهشني ضحكته الخجولة التي تشبه ضحكات الاطفال في عذوبتها. ومن بين قصائده “الومضة” على سبيل المثال لا الحصر، عندما يقول: (الفم بئر الكلام) (الساعة حفرة عقارب في يدي) (الحذاء يبتلع الطريق)..!

وغيرها الكثير من القصائد التي تحوز على كم هائل من المدهش والمثير. ثم تزوج فرج وانجب واضحت زياراته الى طرابلس قليلة ومحسوبة. ومع ذلك استطاع هو وثلة طيبة من الأصدقاء المبدعين بتأسيس “نادي القرية للابداع الثقافي” الذي شهد نشاطا مكثفا ورائعا في البدايات، وذلك بجهودهم الذاتية، ثم خبا بريقه، نتيجة الاهمال من قبل الدولة، ونتيجة لمبالاة بعض “كبار” المثقفين. كان فرج، رحمه الله، دائما كان وفيا لأصدقائه وأحبته. فقبل شهر تقريبا كلمني بالهاتف، وطلب مني أن آتي إلى الخمس لأتحدث عن الصديق الراحل ناجي الشكري في اربعينيته، وسألته اين انت، قال انا راقد في المشفى. كان رافدا معتلا مريضا حد الموت، ولم يشأ أن يموت صديقه ناجي وينسى. أصر وهو على سرير الموت الأبيض.. (!) أن يحيي أربعينية صديقه..هل ثمة وفاء اكبر من هذا؟! ثم بعث لي سيارة خاصة من الخمس، لتقلني مع من شاء أن يذهب من الأصدقاء إلى الخمس لإحياء أربعينية الشكري، ثم كلمت اخي الحبيب علي الجعكي، وقلت له نريد ان نراك، قال ساحاول، قلت له المناسبة، وسالته اين فرج، وفي اي مشفى، قال لي فرج مريض جدا، ولا يريد أن يذهب لتونس للبحث من جديد عن كلية أخرى! قال تعبت.

وقال علي، ربي يستر. وضعت يدي على قلبي، وحبست نشيجا ما في داخلي، وحزنا عتيقا. كان يتصل بي كل لحظة تقريبا أو اتصل به، وهو بالكاد يتكلم بصوت خفيض أشبه بصوت معجزة..! ليعطيني خارطة لطريق الاربعين، او ليزودني باسم الصديق القادم إلينا. مات فرج ربما حزنا على أصدقائه الذين ذهبوا مع الموج، أو ربما حزنا على والده الذي مات قبله بثلاثة أيام فقط..! وربما مات فرج حزنا على قصيدة جديدة زاره طيفها، ولم تستطع أنامله أن تمسك بقلم ليكتبها، وربما لم يجد راوية ليرويها عنه، وهو يلفظ آخر أنفاسه المتحشرجه.. لكي يقول لنا وداعا..! …..،،

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى