" /> رسائل الله إلينا! - صحيفة ليبيا الاخبارية
تحقيقات ولقاءات

رسائل الله إلينا!

نجاح مصدق

بكل الالوان

وجهه المجعد وسحنته البائسة وخطوط السنوات على جبينه غيرته حتى بات شخص اخر بالكاد يعرف لمن كان يعرفه سابقا خسارته للوزن تبدو واضحة وكأن البلاد جميعها تقتات ممايختزل جسده من شحم وعظم حتى خطاة زادت ارتباكا وحركته المعهودة للالتفاف كأنه صوفي في حضرة الله زادت اتساعا وتعرجا ظلت فقط يده الممتدة للجميع ونظرة عينية المنكسرة كما هي بل زادت وجعا مخفيا بين تفاصيلها و اوغلت في البوح اللامتاح للناظرين

منذ سنوات ذأب الاطفال على ملاحقته من شارع لاخر وتحاشته الفتيات خوفا وريبة ونهره الشباب امام الدكاكين وفي الطرقات واسدل اصحاب القلوب البيضاء اجنحتهم لانسلابه الغيرمنتهي مع الايام والليالي

العم حسين او هكذا عرف في حيه وبين جيرانه الذي يرتدي من الثياب رتها والذي لا تسد جوعة للحياة سوى قطعة الخبزاليابسه بين كفيه لم يمثلي جيبه ابدا منذ عرفناه ولم يتوقف عن ملاحقتنا لاجل الربع ديناروالذي كان لاجله يقطع المسافات على مدار اليوم وفي كل الفصول حت برد الشتاء ما كان ليتنيه على المسير والدوران في كل مكان لاجل ان يسقط احدهم في يده ربع الدينار غير ابه بشتمهم ونهرهم كنا دائما نحدث انفسنا كم من الثروات من الممكن قد يكون امتلك وما المبلغ الذي بحوزته والى اي سقف سيصل بعد اعوام

مضت السنون وانقضت اعوام تغيرت الناس والبلاد والشوارع حتى زوايا الحي وارصفة البقالين وناصية الشارع المقابل لقهوة الشيخ وظل العم حسين يمارسة يوقاه اليوميه بلا توقف لم تتغير ملابسه ولم يركب السيارات الفارهة ولم يحمل الحقائب الجلدية ولم نره بربطة عنق وقميص مكوي وجاكيت اسود او مطرز هو كماهم بملامح اكثر حزنا وانكسار لازال باسط يده لاطفال الشارع المارين الذين لم يعد يملى عينهم الدينار ولا تكفي مشترياتهم العشر دنانير مازال باسط يده  للشاب الذي لم يجد ثمنا لسيجارة رخيصة عجز عن تأمين ثمنه مازال راكضا خلف ذاك الجائع يمنحه كم قطعة معدنية من فئة الربع دينار المتدافعة في كف يده حد السقوط بلا التقاط لا زال يحمل نفس القلب وذات الروح وبراءة الدرويش التائه في ملكوت الله في عقله الذي لطالما اعتبرناه مغيبا يحمل قصة نعجز عن استيعابها  وفي جنونه ودروشته حياة صعب على اكثرنا ان يحياها بذات الاتزان وعلى نفس الخطى بلا ملل ولا كلل

اليوم وبعد كل هذه السنوات صادفته مسرعا في حلقته يمنح عجوزا مسنه كسرة خبز وكم ربع دينار اليوم اكتشفت كم هو الفارق بين من يقتاتون كذبا متسولين لغنى وكفاف زائل وبين من يهبون الحياة للاخرين ويجوبون الارض كأنهم رسائل ربانية من اناس لاناس ياخد منهم ليمنحهم ويعود كل يوم الى مسكنه خالي الوفاض من دراهم او ربع دينار متبقي مفلس من ترف الحياة غني بحكمتها وكسرة خبز وحلم بغد مليء بهبات الرحمن يوزعها على ارواح الفقراء

اليوم ادركت ان الممتلئين بالطهر لاتشوههم الايام ولا تمتلي كروشهم بالسحت واموال الناس المغتصبة

ادركت ان الانقياء لا يقفزون في بيوت ليست لهم ولا يحولهم مصباح علاء الين بين ليلة واخرى الى ملوك واصحاب ارصدة

اليوم ادركت ان الرصاص قد يصيب لحكمة فيزهق روح وقد يتغاضى ويتجاوز لالف حكمة وحكمة اصحاب الارواح الشفافة النظيفة الزاهدة من كراسي المناصب ووالسيارات المسروقة

فقط اليوم ادركت بان لله جنودا هم من يحدثون توازنا في حياتنا ولولا خطوهم وحركاتهم لاختلت الارض من بؤس العابثين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *