اختلال المعنى للنظام الصحي

كشف تقرير هيئة الرقابة الإدارية الليبية الصادر في مايو 2026 عن مفارقة صادمة يصعب تجاهلها وهي إنفاق ضخم قُدر بمليارات الدنانير على قطاع الصحة خلال الفترة (2022–2025)، يقابله استمرار تردي الخدمات، ونقص الأدوية ومعاناة المواطنين في رحلة البحث عن العلاج. لم يكن التقرير مجرد عرض لاختلالات مالية وإدارية، هو شهادة موثقة على فجوة عميقة بين حجم الموارد وحجم الأثر، حيث تتجلى تشوهات وانحرافات كبيرة في مؤسسات يُفترض أنها حارسة للحياة. وفي تفاصيله يرصد التقرير واقعًا أكثر قسوة، مرضى يتنقلون بملفاتهم بين الممرات ومنظومة دواء عاجزة عن تلبية الحد الأدنى، وبنية تحتية متآكلة، وغياب قواعد بيانات دقيقة، واختلالات إدارية تعيق أي إصلاح حقيقي مع استثناءات محدودة لا تغير من الصورة الكلية ولا أراها. وهنا لا يصبح الهدر مجرد أرقام تُستنزف إنما يتحول إلى معنى مفقود إذ لا تُقاس التكلفة بما أُنفق بل بما لم يتحقق. ومن هذا التناقض الحاد بين وفرة الإنفاق وغياب عدالة الأثر، تنبع الحاجة إلى قراءة أعمق لا تتوقف عند مظاهر الخلل إنما تتجاوزها إلى سؤال المعنى ذاته داخل النظام الصحي. في الظاهر تبدو الأزمة الصحية في كثير من الدول أزمة موارد ونقص في التمويل وضعف في الإمكانات وقصور في البنية التحتية. لكن التمعن في العمق يكشف أن جوهر الأزمة ليس فيما نملك، بل فيما نفقد من معنى ونحن نملك. فهناك مفارقة قاسية تتجلى حين تجتمع الوفرة مع العجز، وتتكاثر الإمكانات في مقابل تراجع الأثر، فيتحول النظام الصحي من أداة للحياة إلى كيان مرتبك لا يعكس غايته ولا يؤدي وظيفته. إن النظام الصحي ليس مجرد مستشفيات وأجهزة وأدوية، هو منظومة أخلاقية ومعرفية وتنظيمية تتأسس على فكرة مركزية وهي صون الحياة. وعندما تختل هذه الفكرة تفقد كل العناصر الأخرى قيمتها مهما بلغت وفرتها. فالمشكلة لا تكمن في نقص الأسرة بقدر ما تكمن في تعطلها، ولا في غياب الأجهزة بقدر ما تكمن في صمتها، ولا في قلة الكوادر بقدر ما تكمن في سوء توظيفها. وهنا تتجلى المأساة في صورة أكثر عمقاً، حيث لا يعود الخلل مجرد قصور مادي بل يتحول إلى انحراف في المعنى ذاته. إذ يمكن لنظامٍ صحي أن يمتلك آلاف الأسرة لكنه يعجز عن احتضان المرضى، وأن يزخر بالأجهزة الحديثة لكنها تبقى خارج الخدمة، وأن يُظهر وفرة في الموارد البشرية، لكنها تفتقر إلى الفاعلية والكفاءة والتوزيع العادل. ولعل أخطر ما في هذا الاختلال ليس ما يظهر على السطح من نقص أو عجز إنما ما يتراكم في العمق من تكلفة صامتة لا تُحسب في دفاتر المحاسبة. فتعطيل أربعة وعشرين ألف سرير ليس رقماً جامداً، هو تعطيل لآلاف فرص النجاة وإرجاءٌ لآلامٍ كان يمكن احتواؤها وتحويل للمرض من حالة قابلة للعلاج إلى مصير مفتوح على التعقيد والموت. وتعطيل جهاز الإسعاف أو شل قدراته ليس خللاً فنياً عابراً، بل هو كسر للزمن الحرج، ذلك الزمن الذي يفصل بين الحياة والفقد، وبين الاستجابة والندم. وحين تتوقف أقسام الطوارئ عن أداء دورها الكامل، أو تُفرغ من كفاءتها، فإن المدن كلها تدخل في حالة طوارئ غير مُعلنة حيث يصبح الوصول إلى الرعاية مغامرة، ويغدو الانتظار خطراً موازياً للمرض ذاته. أما تعطل أجهزة التشخيص من مختبراتٍ وأشعة فهو ليس مجرد تأخير في النتائج بل هو تعمية متعمدة لمسار المرض، حيث يُترك الجسد بلا قراءة، ويُدفع الطبيب للعمل في ظلال الشك بدل نور اليقين. وتتجلى المأساة بأقسى صورها في العنايات الفائقة، حيث لا يعني التعطيل نقص أجهزة فحسب، هو انسحاباً صامتاً من معركة البقاء ذاتها. هناك حيث كل دقيقة تساوي حياة، ويصبح العجز جريمة زمنية لا تُغتفر. ثم تأتي التكلفة الأكثر قسوة من الأدوية المغشوشة والمزورة والمنتهية الصلاحية. هنا لا ينهار النظام فحسب إنما ينقلب على وظيفته إذ يتحول العلاج إلى خطر والثقة إلى خديعة ويدفع المرضى ثمن وهم اسمه الشفاء. إنها ليست خسارة مالية بل تآكل في المعنى الأخلاقي للصحة ذاتها. وعندما تتوقف الصيانة ويُؤجل الإصلاح ويتراكم الإهمال، فإننا لا نؤخر التكلفة نحن نضاعفها. فالإحلال بعد الخراب ليس مجرد بند مالي إنما اعتراف متأخر بأن الوقاية المؤسسية كانت غائبة، وأن القرار لم يكن اقتصادياً بقدر ما كان غياباً للرؤية. وإذا ما قيس كل ذلك بلغة المال، فنحن أمام نزيف يُقدر بعشرات المليارات من العملات الصعبة. أما إذا قيس بلغة الحياة، فنحن أمام خسارة لا تُقدر، حيث تتحول الأرقام إلى وجوه والإحصاءات إلى قصص، والتقارير إلى مآس إنسانية لا يعوضها شيء. في هذا السياق لا يمكن فهم تفكك النظام الصحي بوصفه خللاً تقنياً أو إدارياً فحسب، هو انعكاس لاختلال أعمق في منظومة القيم حيث تتراجع الأولويات ويُختزل الإنسان إلى رقم، وتُدار الصحة بمنطق التكلفة وليس بمنطق الكرامة. إن إعادة بناء النظام الصحي لا تبدأ بزيادة الميزانيات بل بإعادة تعريف الغاية، من إدارة المرض إلى حماية الإنسان، ومن استهلاك الموارد إلى تعظيم أثرها، ومن تعدد الهياكل إلى وحدة الرؤية. فحين يستعيد النظام معناه تستعيد موارده قيمتها، وتتحول الإمكانات من عبءٍ صامت إلى قوة فاعلة. وليست الأزمة في أن النظام الصحي ضعيف بل في أنه قد يكون قوياً في شكله لكنه فارغ في جوهره. وهنا يكمن الخطر الحقيقي حين نُحسن البناء ونُسيء المعنى، فنخسر الاثنين معاً. وفي النهاية تكشف تقارير الرقابة ما هو أبعد من الحسابات، وتُضيء على حقيقة موجعة أن الأزمة ليست في شُح الموارد بل في ضياع المعنى الذي يُفترض أن يمنح هذه الموارد قيمتها. فحين تُنفق المليارات دون أن تُنقذ حياة، وحين تتكدس الإمكانات دون أن تُحدث أثراً، فإننا لا نكون أمام خلل إداري عابر بل أمام انهيار صامت في فلسفة النظام الصحي ذاته. إن استعادة المعنى الصحي لا تبدأ من زيادة الإنفاق إنما من إعادة توجيهه نحو الإنسان ومن تحويل الوفرة إلى عدالة، ومن الأرقام إلى نتائج، ومن الهياكل إلى حياة. فالقضية ليست أن نملك أكثر ولكن أن نُحسن ما نملك. وحين نعجز عن ذلك يصبح السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هل فقدنا الموارد أم فقدنا القدرة على تحويلها إلى حياة؟
د.علي المبروك أبوقرين






