كتاب الرائ

ميلاد وخبزه ينتصران للذكورية في ليبيا !

بقلم: رأفت بالخير

إن رواية خبز على طاولة الخال ميلاد للكاتب الليبي محمد النعاس المتجنى عليها، انتصرت انتصارا كبيرا للفكر الذكوري في المجتمع، فرغم النشأة الناعمة للبطل، ومحاصرته بعوامل تجعل أفعاله دائما أقرب للين منها للخشونة، ورغم وجود دوافع داخلية لديه بمحاولة تغيير النظرة للحالة الذكورية لمحيطه، إلا أن البيئة والجينات في بطل الرواية تأبى إلا أن تكون وفية لعهودها الازلية، فيكون ميلاد ذكرا تقليديا، عندما يتعرض لاختبار الخيانة.

بطل النعاس ميلاد، يقوم بكل ما يفعله الذكر التقليدي في بلادنا، ولكن على طريقته الخاصة، التي طبعها الاختلاف غير المُخِل بقواعد مجتمعية راسخة، إلا في حدود المقبول، ولكن عند تجاوزها، تعود جينات البطل الذكورية لتذكره بضرورة الوقوف في وجه التغيير المكروه.

النعاس الذي استطاع أن يرسم بقلمه، عوالم متخيلة، تلامس حياة عاشها من كانوا قبلنا، وظروفا عامة عشناها، فالنعاس يحكي عن علاقات متشابكة، لا تسمح بحدوث تغيير يهدد التركيبة التراتبية لهذا المجتمع، فيعيش البطل على وقع الصراع، بين أسئلة الذات المحيرة، وبين واقع يفرض أشكالا محددة من العلاقات، لا تغيب عنها سلطة الذكر المسيطر في داخل القطيع.

ويأخذنا الكاتب إلى الكوشة “المخبز” وهي رمز إلى التكوين، والتشكيل، وفق قوالب محددة سلفا، رغم المحاولات الفردية للإبداع في خلق أشكال جديدة، والبحث عن الجمال بين الدقيق والملح والخميرة، إلا أن الذوق العام يتراجع بفعل زحف البداوة على المدينة، وتأكيد السلطة الذكورية الحاكمة للمجتمع، وغياب اللمسة الأوروبية عن هذه البلاد بكل ما في هذه اللمسة من مآسي وجمال في تناقض يؤكد معاناة الإنسان الباحث عن التميز.

وهناك أماكن اصبح الوعي الليبي ينظر لها بسلبية، مثل المعسكر، الذي كان لعقود مكانا لحرق أعمار الشباب الليبي في ظل حكم دكتاتوري تحت نظام القذافي، إلا أن النعاس، يعطيه صفات إيجابية، فهو مصنع الرجال والمكان الذي سيعيد البطل إلى حظيرة الذكور التقليدية، ويجهزه للانتصار للذكورية.

ونجد أيضا، صراع القرية والمدينة، متجسدا في هذه الرواية من خلال تحرك الأبطال بينهما، في تأكيد لصراع مستمر في ليبيا بين الحداثة والبداوة، رغم أن العاام دخل في عصر ما بعد الحداثة وتجاوزه إلى عصر الذكاء الاصناعي فيما تظل بعض الشعوب حبيسة أفكار من قرون خلت.

وتعرض النعاس بذكاء للعلاقة التي تتكون بين الأم وزوجة ابنها، وكيفية تشكل غيوم وعواصف، في البيت الواحد الذي يجمع أكثر من إمرأة تحت سقفه، فتكون الحروب الباردة والساخنة من العلامات التي يكون بعدها الاستقلال أمرا محتوما، وهذا من الدروس المكررة في المجتمع، ولكن يكرر الكثير من الذكور هذا الخطأ دائما.

كان حصول رواية خبز على طاولة الخال ميلاد على الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر للكاتب الليبي المميز محمد النعاس فرصة للاحتفاء بالأدب الليبي الذي أصبح ينتزع مكانه في الثقافة العربية بعد تغييب ممنهج لعقود.

ولكن الهجوم العبثي الذي تعرضت له الرواية، بسبب ما وصفه البعض من أنها تمس بجوانب محافظة إن لم نقل مقدسة في المجتمع، وهو أمر مجانب للصواب، أدى إلى منع تداول الرواية في ليبيا، والملاحقة الأمنية لأصحاب المكتبات التي باعت نسخا منها قبل حصولها على الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر.

وأود ان أهمس في أذن كل شخص يظن أن بإمكانه إيقاف حركة الزمن، وعدم التفاعل مع العالم بشكل إيجابي، إلى أن كل شيء يتغير، وسيتغير، شئت ذلك أم أبيت، والأجدى هو الاحتفاء بكتاب وكاتبات ليبيا ودعم كل أبنائها، وتعلم الدرس، في أن الإحتواء والدعم، أفضل بكثير من محاولات التضييق والمنع، فعمر الكتاب أكبر من عمر أي شخص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى