الصحة حق ضائع في سوق مفتوح

د.علي المبروك أبوقرين
في عالمٍ تُقاس فيه القيم بما تُدره من أرباح، وتُختزل فيه المعاني إلى أرقام، لم تعد الصحة ذلك الاستثناء الذي يقف خارج منطق السوق إنما على العكس، في سياقات مثل ليبيا انزلقت بالفعل إلى داخله، وأصبحت جزءًا من آلته تُسعّر وتُختزل وتُعرض في واجهات التنافس، وتُدار بعقلية الصفقة وليس بعقلية الحق، فالسوق بطبيعته لا يرى إلا الفرص، ولا يتحرك إلا وفق معادلة الربح والخسارة، ولا يتعامل مع الإنسان إلا بوصفه مستهلكا أو رقمًا في معادلة الطلب، وحين يُسقط منطقه على الصحة لا يعالجها إنما يعيد تشكيلها، فيوسع تعريف المرض ويغذي القلق ويخلق طلبًا دائمًا على الخدمة، فيتحول الإنسان من كائن يسعى إلى العافية إلى مستهلك دائم للخدمات الصحية، وتتحول الرعاية من حق إلى منتج، ومن مسؤولية إلى صفقة ومن قيمة إنسانية إلى فرصة استثمارية، وفي هذا التحول الصامت تتراجع الوقاية لأنها لا تدر أرباحًا، وتُهمّش الرعاية الأولية لأنها لا تنافس في سوق التقنية، وتتآكل الصحة العامة لأنها خارج حسابات العائد، بينما تتضخم المستشفيات والمصحات والإجراءات والتقنيات لأنها تمثل اقتصاد المرض وليس فلسفة الصحة، وهنا لا تعود الصحة هدفًا بل وسيلة، ولا يعود الإنسان مريضًا يحتاج إلى رعاية إنه أصبح عميلًا وزبون يُدار، وتصبح المنظومة الصحية انعكاسًا لاقتصاد السوق وليس لاحتياجات المجتمع، وفي المقابل تقف فلسفة أخرى ترى أن الصحة ليست قطاعًا إنما سيادة وليست خدمة إنها بنية وجود، وليست تكلفة بل أساس كل إنتاج واستقرار ومستقبل، فالدولة التي تفهم الصحة بهذا المعنى لا تسأل كم ستربح منها بل كم ستخسر بدونها، وتدرك أن كل ما يُنفق على الصحة ليس إنفاقًا إنه استثمار مركب في الإنسان وفي إنتاجيته ووعيه واستقراره وأجياله، عائد لا يُقاس بالمال لأنه يُقاس بالحياة، وفي هذا السياق تبدو ليبيا مفارقة صارخة، فهي دولة ريعية تملك من الموارد ما يكفي لبناء نظام صحي موحد قوي وعادل يرتكز على المحددات الصحية الشاملة من تعليم وبيئة وغذاء وسكن وثقافة ووعي قبل المستشفى والدواء، لكن الخلل لم يكن في القدرة إنما في التوجه، حيث تم استيراد منطق السوق وإسقاطه على نظام يفترض أن يكون سياديًا، فبدأ التفكك من الداخل، وتحولت الوحدة إلى تنافس والحق إلى خدمة والمواطن إلى عميل، واتسعت الفجوات وتغيرت العلاقة بين الدولة والمجتمع من مسؤولية إلى تعاقد، ومن ضمان إلى تفاوض، وهنا لا يكون الانهيار ماليًا إنما قيميًا، لأن النظام يفقد روحه قبل أن يفقد كفاءته، وفي قلب هذا الانزلاق يبرز التأمين الصحي لا كأداة محايدة بل كبوابة واسعة للانخراط في براثن السوق المتوحش، حيث يتحول إلى وسيط تجاري يعيد تعريف العلاقة بين المريض والخدمة، ويفرض منطق التسعير والتفاوض، ويخلق طبقة من السماسرة والوسطاء الذين يتغذون على المرض بدل أن يخففوه، فيصبح الوصول إلى العلاج ليس حقًا مباشرًا بل مسارًا معقدًا تحكمه العقود والموافقات والمصالح، وهنا تفقد الصحة معناها الأخلاقي وتتحول إلى سلعة مركبة تُدار عبر شبكات مالية أكثر مما تُدار عبر رؤية صحية، ويظل الاختبار الأخلاقي الأعمق لأي نظام صحي هو كيف يعامل الأضعف، وفي ليبيا يشمل ذلك العمالة الأجنبية المقننة التي تمثل جزءًا من البنية الاقتصادية، وإذا كانت تكلفة إدماجهم في نظام صحي عادل لا تتجاوز نسبة محدودة من المرتبات فإن المسألة هنا ليست عبئًا اقتصاديًا إنما امتحانًا قيميًا، لأن الصحة إن لم تكن حقًا إنسانيًا شاملًا فقدت معناها، والنظام الذي يميز يفقد إنسانيته، والدولة التي تقصي تزرع هشاشتها، وفي نهاية المطاف لا يُقاس نجاح النظام الصحي بعدد مستشفياته ولا بحجم إنفاقه ولا بتطور أجهزته بل بعدد الأمراض التي لم تحدث، لأن أعظم نظام صحي ليس الذي يعالج أكثر إنما الذي يمنع أكثر، وحين نعيد التفكير في الصحة خارج منطق السوق ولو بعد أن انزلقت إليه نكون قد بدأنا أول خطوة في استعادتها كقيمة وليس كسلعة، وكحق لا كخدمة وكأساس للحياة لا كسوق للمرض، وحينها فقط يصبح كل ما يُنفق على الصحة مكسبًا لا يُقدّر لأنه ينعكس على الإنسان في كليته، وعلى إنتاجه واستقراره وكرامته ومستقبله، وعلى قدرة المجتمع أن يعيش لا أن يُدار كحقل استهلاك مفتوح.






