هندسة الصحة

د.علي المبروك أبوقرين
لطالما قيست قوة النظم الصحية بقدرتها على علاج المرضى، والمقياس الحقيقي للقوة ليس حجم آلة العلاج بل حجم الأمراض التي لم تحدث أصلًا. والنموذج الصحي للقرن الحادي والعشرين يقوم على تحول جذري من الطب التفاعلي إلى الطب الاستباقي، ومن علاج الأمراض إلى هندسة الصحة، وهذا التحول يتطلب دمجًا غير مسبوق بين البنية التحتية البشرية والبنية التحليلية والبنية السلوكية، حيث لا يكفي أن يكون لديك أطباء كثر إن لم يكن لديهم نظام ذكي يضاعف قدراتهم، ولا يكفي أن يكون لديك تقنيات متطورة إن لم تكن مؤطرة بفلسفة تضع الوقاية في قلب المعادلة. فلا يمكن لأي نظام صحي مهما بلغت تقنياته أن ينهض دون كثافة بشرية كافية تؤسس لعضلاته القادرة على استيعاب التحول. والأرقام الدولية تشير إلى أن أقوى النظم الصحية تحتاج إلى ما بين 5 إلى 6 أطباء لكل ألف نسمة، وإلى ما بين 15 إلى 20 ممرضًا لكل ألف نسمة، وإلى ما بين 3 إلى 4 فنيين ومهن مساعدة لكل ألف نسمة، أما أسرة المستشفيات فالمعدل الأمثل لها يتراوح بين 4 إلى 5 أسرة لكل ألف نسمة، وهو أقل بكثير مما في كوريا واليابان حيث تبلغ النسبة 12.5 سريرًا لكل ألف، لأن التطور التقني والرعاية المنزلية تقلل الحاجة إلى الأسرة مع تحسين الجودة، بينما تظل أسرة العناية المركزة ضرورية بمعدل يتراوح بين 25 إلى 40 سريرًا لكل مئة ألف نسمة للاستعداد للطوارئ والجوائح. لكن الأرقام وحدها لا تصنع التميز، فالتوازن أهم من الضخامة، وأن البنية البشرية مهما بلغت تظل بحاجة إلى ذكاء يضاعفها. وهنا يأتي دور التطور العلمي والتقني حيث يحدث التحول النوعي الحقيقي، فالطب الرقمي والطب الخوارزمي ليسا مجرد أدوات مساعدة بل هما إعادة هيكلة لممارسة الطب ذاته. فالملف الصحي الإلكتروني الموحد يجب أن يغطي مئة بالمئة من السكان ويربط جميع مقدمي الخدمة في منصة واحدة قابلة للتشغيل البيني، والذكاء الاصطناعي التشخيصي يمكن أن يقلل الأخطاء التشخيصية بنسبة تزيد عن 30%، والخوارزميات التنبؤية القادرة على تحديد المرضى الأكثر عرضة للدخول إلى المستشفى خلال عام قادم ، ويمكنها أن تحول الرعاية من رد فعل متأخر إلى تدخل مبكر. والطب عن بُعد يجب أن يشكل ما بين 20 إلى 30% من الاستشارات ليقلل الزيارات غير الضرورية للمستشفيات بربع النسبة، والمراقبة عن بُعد لمرضى الضغط والسكري وقصور القلب يمكن أن تقلل إعادة الدخول إلى المستشفى بنسبة تتراوح بين 30 إلى 40%. لكن الأعمق من ذلك كله هو مفهوم الطب الخوارزمي الذي لا يعني مجرد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إنما يعني إعادة هيكلة قرار الطبيب ليصبح قائمًا على البيانات وتحليل ملايين السجلات السابقة قبل تقديم التشخيص، وقابلًا للقياس الكمي بحيث يكون لكل قرار طبي درجة ثقة واحتمالية نجاح، ومستمرًا بالمراقبة لحظة بلحظة وليس فقط في العيادة. إن الطبيب في القرن الحادي والعشرين ليس من يحفظ أكبر قدر من المعلومات إنما من يصمم أفضل الخوارزميات للتعامل معها. والتحول الأعمق والأهم هو ذلك التحول الفلسفي الذي ينقلنا من نظام رعاية المرض إلى نظام رعاية الصحة، ومن انتظار ظهور الأعراض إلى هندسة الصحة قبل المرض. إن طب أنماط الحياة هو الطب المبني على الأدلة لتعديل السلوكيات كعلاج من الدرجة الأولى وليس كمساعد، فالتغذية الصحية يمكن أن تقلل أمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة تصل إلى 80% في الدراسات الوبائية، والنشاط البدني يمكن أن يقلل الوفيات الإجمالية بنسبة تتراوح بين 30 إلى 35% مقارنة بالخاملين، وإدارة التوتر والنوم يمكن أن تقلل تطور مقدمات السكري إلى سكري بنسبة تتراوح بين 50 إلى 60% ، والإقلاع عن التدخين هو أكثر تدخل طبي فعالية من حيث التكلفة. وهذا يتطلب أن يكون هناك أخصائيو طب أنماط الحياة بنسبة لا تقل عن أخصائي واحد لكل خمسين ألف نسمة، وأن يكونوا جزءًا أصيلًا من الرعاية الأولية. ثم يأتي الطب التنبؤي والوقائي حيث يلتقي الجينوم بالبيانات الضخمة، فالفحص الجيني للسكان لتحديد الاستعداد الوراثي للأمراض الشائعة كالسرطان والسكري وأمراض القلب يجب أن يغطي ما بين 10 إلى 20% من السكان في السنوات الخمس الأولى مع توسع تدريجي، والعلامات الحيوية المتقدمة عبر فحوصات دورية تشمل البروتينات والاستقلاب يمكن أن تمكن من الكشف المبكر جدًا، والتقييمات السلوكية الخوارزمية عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي ترصد أنماط الحياة وتقدم تدخلات مخصصة يجب أن يستخدمها 50% من البالغين. أما الطب المصاحب يمكن أن يكون نموذجًا للرعاية المركزة مع العدالة في الوصول إذا صمم بشكل صحيح، فيخصص للأمراض المزمنة المعقدة فرق طبية متكاملة من طبيب وممرض وأخصائي تغذية ومدرب صحي لمجموعة محدودة من المرضى، وللرعاية الاستباقية متابعة مستمرة لا تنتظر ظهور الأعراض، بحيث لا تزيد نسبة المستفيدين من هذا النموذج عن 5 إلى 10% من السكان مع توجيه الباقي لنموذج رعاية أولية قوي. إن النظام الصحي الأسمى هو نظام تكاملي حيث البنية البشرية من أطباء وتمريض وفنيين هي التي تثقف وتشرف، والبنية الرقمية والخوارزمية هي التي تضاعف القدرات وتقلل الأخطاء، والطب الاستباقي والوقائي هو الذي يقلل العبء على الركيزتين الأوليين. إنها معادلة بسيطة لكنها ثورية في تطبيقها. وكما لا يمكن إدارة ما لا يُقاس، فلا بد من مؤشرات مركبة تعكس نجاح هذا التحول الفلسفي، فمتوسط العمر المتوقع عند الولادة يجب أن يتجاوز 83 سنة، وسنوات العمر الصحية يجب ألا يزيد الفرق بينها وبين متوسط العمر على 7 سنوات، والإنفاق الصحي كنسبة من الناتج المحلي يجب أن يتراوح بين 10 إلى 15% مع إعادة توزيع من العلاج إلى الوقاية، ونسبة الإنفاق على الوقاية والاستباقية يجب أن تتجاوز 10% من إجمالي الإنفاق الصحي مقارنة بأقل من 3% في معظم الدول حاليًا، ومعدلات الوفيات المبكرة قبل سن السبعين من الأمراض غير المعدية يجب أن تقل عن مئة لكل مئة ألف نسمة، ورضا المرضى والكوادر يجب أن يتجاوز 85% في الاستبيانات المعتمدة. إن الهدف الأسمى ليس بناء أكبر نظام صحي، إنما بناء أذكى نظام صحي وأكثرها استباقية، نظام يكون فيه الطبيب محررًا من الروتين بالذكاء الاصطناعي ليركز على الإنسانية في الرعاية، ويكون فيه المريض شريكًا في إدارة صحته وليس مجرد متلق سلبي، وتكون التقنية جسرًا وليس حاجزًا، وتكون الوقاية هي العملة الأساسية والعلاج هو الملاذ الأخير. إن النظام الصحي العظيم لا يُقاس بعدد أسِرَّته بل بعدد الأمراض التي لم تحدث، ولا يُقاس بقدرته على استيعاب المرضى إنما بقدرته على منع وصولهم إلى المستشفى أصلاً. هذه هي الرؤية التي تجعل من الصحة ليس مجرد غياب المرض بل حضورًا كاملاً للطاقة الإنسانية في أبهى صورها…






