العالم والأوبئة بين التعلم أو تكرار الأخطاء

حين نُحاول أن نُحصي الأمراض المعدية، فإننا لا نُعدّد أسماءً بقدر ما نقرأ تاريخًا حيًا لعلاقة الإنسان بالعالم من حوله، تاريخًا كُتب بفيروسات وبكتيريا وطفيليات، من كوفيد-19 الذي أعاد تعريف الهشاشة العالمية، إلى الإيدز الذي غيّر الوعي الصحي والاجتماعي، مرورًا بـ الجدري الذي سقط أمام الإرادة العلمية، والطاعون الذي أعاد تشكيل التاريخ السكاني، وليس انتهاءً بما يتداول اليوم حول فيروس الهانتا الذي نرجو أن يبقى محدودًا وتحت السيطرة، وفي هذا الامتداد الواسع تتزاحم أمراض مثل الإنفلونزا الموسمية ونزلات البرد ونوروفيروس وفيروس الورم الحليمي البشري والتهاب الكبد الوبائي بأشكاله المختلفة، كما تعود أمراض كادت أن تُنسى مثل الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، وتتوسع أمراض النواقل كحمى الضنك وفيروس زيكا، بينما لا تزال البكتيريا تُذكر العالم بقدرتها عبر السل والكوليرا والدفتيريا والسعال الديكي والجمرة الخبيثة وداء الكلب، وتبقى الطفيليات والديدان جزءًا من هذا المشهد عبر الملاريا والبلهارسيا وداء كلابية الذنب والديدان الخطافية، وحتى الأمراض الجلدية المعدية مثل الجرب والقوباء الحلقية تظل دليلًا على أن العدوى ليست حكرًا على الأزمات الكبرى بل تتسلل في تفاصيل الحياة اليومية، وإذا كان هذا التعداد يبدو واسعًا ومتشعبًا فإن الحقيقة الأعمق أنه ليس سوى تعبير عن منظومة واحدة تتكاثر فيها الأسباب قبل النتائج، منظومة تتداخل فيها البيئة بالحيوان بالسلوك البشري، حيث لم يعد ممكنًا فصل صحة الإنسان عن صحة الكوكب، وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن ما يزيد عن ستين في المئة من الأمراض المستجدة تنشأ من الحيوان، وأن التغير المناخي، وإزالة الغابات، والتوسع العمراني غير المنضبط، كلها ليست عوامل خلفية إنما محركات مباشرة لظهور الأوبئة، ومع ذلك فإن الخطر لا يكمن فقط في نشأة المرض بل في قدرته على الانتشار الصامت خلال فترات الحضانة التي قد تطول وتخفي العدوى في أجساد تبدو سليمة، وفي عالم تتحرك فيه الملايين يوميًا عبر الطائرات والحدود المفتوحة والهجرات المتزايدة، كثير منها ينطلق من مناطق تعاني هشاشة صحية أو تشكل بؤرًا للأمراض، يصبح تتبع سلاسل العدوى مهمة شبه مستحيلة إذا لم تُدعم بأنظمة ترصد ذكية واستجابة سريعة، وهنا تتكشف الأزمة الحقيقية التي لا تتعلق بضراوة الميكروب بقدر ما تتعلق بضعف الإنسان أمامه، ضعف في البنية التحتية الصحية وفي التمويل، وفي توزيع الخدمات، وفي جاهزية الكوادر، وفي الوعي المجتمعي، وفي القدرة على تحويل المعرفة إلى فعل، إذ لا تزال أنظمة كثيرة تُنفق على العلاج أكثر مما تستثمر في الوقاية، وتتعامل مع المرض كحدث طارئ بدل أن تراه نتيجة حتمية لسلسلة من الإخفاقات المتراكمة، وفي هذا السياق يصبح الحديث عن الاستراتيجيات الصحية ليس ترفًا فكريًا إنما ضرورة وجودية تبدأ بتبني مفهوم الصحة الواحدة الذي يربط الإنسان بالحيوان وبالبيئة، وتمر ببناء نظم ترصد مبكرة تعتمد على البيانات والتحليل لا على ردود الفعل، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية كخط دفاع أول، وتأهيل القوى العاملة الصحية علميًا وعمليًا لمواجهة الطوارئ، وتوسيع نطاق التثقيف الصحي ليصبح وعيًا يوميًا لا حملة موسمية، وتحسين شروط الحياة الأساسية من مياه نظيفة وصرف صحي وتغذية وسكن، لأنها في جوهرها أدوات وقاية قبل أن تكون خدمات، كما أن العدالة الصحية في توزيع الموارد والخدمات لم تعد خيارًا أخلاقيًا فقط بل شرطًا للأمن الصحي العالمي، فالأوبئة لا تعترف بالحدود، وأي خلل في نظام صحي في بقعة ما يمكن أن يتحول إلى تهديد كوني، وبين التهويل الذي يصنع الذعر والتهوين الذي يصنع الإهمال، يبقى الطريق الوحيد هو الوعي المسؤول القائم على العلم والشفافية والثقة، إن العالم اليوم لا يفتقر إلى المعرفة بقدر ما يفتقر إلى الإرادة في تطبيقها، والتاريخ الذي شهد الطاعون والجدري وشلل الأطفال والإيبولا والإيدز وكوفيد-19 لم يكن مجرد سجل للمعاناة بل مدرسة قاسية تعلمنا أن السباق مع الأوبئة لا يُحسم بالقوة إنما بالاستباق، وأن الفرق بين كارثة تُكتب وأخرى تُمنع هو قرار يُتخذ في الوقت المناسب، وأن الصحة ليست حدثًا طارئًا هي بناء مستمر، وليست استجابة آنية بل رؤية استراتيجية، وليست قدرًا يُفرض إنما خيارًا يُصنع، وإذا كان القلق مشروعًا فإن الأمل أيضًا مشروع، لأن ما يملكه الإنسان من علم وقدرة وتنظيم كفيل بأن يحول مسار التاريخ الصحي من رد الفعل إلى الفعل، ومن الهشاشة إلى المناعة، ومن الخوف إلى الفهم، ومن الانتظار إلى المبادرة.
د.علي المبروك أبوقرين






