كتاب الرائ

 (سياسة ليبيا النفطية) في العراق

يونس شعبان الفنادي

(سياسة ليبيا النفطية) في العراق admin

يونس شعبان الفنادي

[email protected]

بعد إشرافه على الأطروحة الجامعية (محمود أحمد المنتصر ودوره السياسي في ليبيا) التي أعدها طالبه المميز الأستاذ صادق فاضل زغير الزهيري كدراسة بحثية توثيقية لنيل درجة الماجستير من قسم التاريخ بكلية التربية ابن رشد للعلوم الانسانية بجامعة بغداد بالعراق الشقيق، ها هو الأستاذ الدكتور ظاهر محمد صكر الحسناوي المحاضر بالكلية، يتولى مجدداً الإشراف على أطروحة الأستاذة هند عادل إسماعيل النعيمي لنيل درجة الدكتوراة من جامعة بغداد والتي اختارت لها موضوع تتبع تاريخ النفط الليبي منذ صدور التشريعات القانونية السابقة لاكتشاف النفط في ليبيا وحتى ظهوره وانتاجه وتسجيل ليبيا عضواً فاعلاً في المنظمات النفطية إقليمياً ودولياً.

وقد عنونت الطالبة الباحثة أطروحتها (سياسة ليبيا النفطية: 1955-1974) وقامت مؤخراً دار قناديل للنشر والتوزيع بالعراق بإصدارها في كتاب توثيقي ضخم في حوالي خمسمائة وخمسين صفحة من الحجم الكبير، ليضيف بذلك الكثير من المعلومات التاريخية المهمة للمكتبة الليبية والعربية في مجال النفط وتاريخه، ويتتبع تشريعاته وقوانينه في ليبيا من قبل اكتشافه، وحتى ظهوره وانعكاساته وتغيرات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي طرأت تبعاً لذلك.

ويقول الأستاذ المشرف على الأطروحة في مقدمته للكتاب (… لكي تتكامل لدينا فصول قصة النفط الليبي وآثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ليبيا، آخذين بنظر الاعتبار أن النفط هو ثروة وطنية ليبية تخص جميع الشعب الليبي وليست الأنظمة السياسية فقط، لذلك حددنا عام 1955 هو البداية الحقيقية لظهور الصناعة النفطية في ليبيا بصدور قانون البترول رقم 25 لسنة 1955م في زمن حكومة مصطفى بن حليم في عهد الملك إدريس السنوسي، وتوقفنا في عام 1974م وهو العام الذي شهد آخر عمليات تأميم النفط في العهد الجمهوري وحكم معمر القذافي..).

وللتوضيح فإن اهتمام الدارسين والاكاديمين والطلاب العراقيين بالبحث في الشأن الليبي في الوقت الحالي ليس جديداً عليهم، بل يرجع إلى سنوات ماضية قديمة وربما قبل أن يصدر الباحث العراقي عبدالأمير قاسم كبه سنة 1963م كتابه (المملكة الليبية وصناعتها البترولية ونظامها الاقتصادي) وكذلك نشر المتخصصين العراقيين العديد من البحوث والمقالات المتعلقة بدراسة أوجه الحياة بالمجتمع الليبي كافة، والتطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بشكل خاص بعد ظهور النفط في بلادنا، وهذا يجعلنا بالقدر الذي نثمن فيه عالياً هذا الجهد الأكاديمي العراقي في تناول المواضيع الليبية المختلفة فإننا لابد أن نتدبر ونتساءل ونفكر في أهداف هذا التوجه البحثي الذي بدأ منذ عقود بعيدة ولازال متواصلاً حتى اليوم!!

أما عن الاهتمام بدراسة النفط الليبي بوجه خاص فمرده كما تقول الباحثة مؤلفة الكتاب (.. كان لنفط ليبيا أهمية خاصة بالقياس إلى نفوط الشرق الأوسط الأخرى، لما تميز به من مواصفات بالنسبة للأسواق الأوروبية ومن ذلك كثافته النوعية الممتازة وقربه من أسواق أوروبا الاستهلاكية، وقلة تكاليف شحنه مما أدى إلى انخفاض أسعاره عن النقيض من نفوط الشرق الأوسط، ثم عدم تأثره بالأزمات والحروب العربية – الإسرائلية ومشكلات قناة السويس والممرات المائية الأخرى مما أدى إلى استمرار انسيابيته مع استقرار أسعاره، كل ذلك جعل له أهمية مزدوجة فهو حيوي بالنسبة لأوروبا وحياتها اليومية، وهو حيوي بالنسبة إلى ليبيا واقتصادها وتطورها، مما دفع الحكومات الليبية المتعاقبة انتهاج سياسات متغيرة باستمرار لضمان مصالح البلاد..).

ويحاول الكتاب الصادر خلال العام الماضي 2018م أن يعالج في أطروحته العلمية إشكالية فكرية تساؤلية عبر منهج بحثي تمثلت في “كيفية نشوء وتطور سياسة ليبيا النفطية خلال المدة 1955-1974 وبيان الخطوط العامة لسياسة ليبيا النفطية لانتزاع حقوقها من سيطرة الشركات الغربية التي استأثرت بهذه الثروة وجنت منها أرباحاً طائلة دون أن تحافظ عليها من الاستنزاف”. وكذلك “كيف أثرت وتأثرت سياسة ليبيا النفطية بالعوامل الداخلية والخارجية في رسم مساراتها الأساسية؟ وهل نجح الليبيون عبر نظامين سياسيين مختلفين في مواصلة تتابع واستمرار هذه السياسة حتى تصل أعلى مرحلة فيها وهي التأميم؟”

كما يحاول أن يلامس بعض إجابات السؤال التقليدي في التعامل مع التقنيات والتطورات الصناعية الجديدة وهو “كيف استطاع الليبيون وهم حديثو العهد بالنفط بناء صناعتهم النفطية والانتقال بها من حالة المؤجر إلى حالة المشارك ثم إلى حالة المالك الكلي لهذه الثروة؟”.

إن جميع هذه الأسئلة المهمة تحتاج إلى الكثير من البحث والتتبع والتحليل والدراسة لأنها تتشابك في مواضيع إجاباتها بين الاقتصادي والتاريخي، ولذلك فإننا نجد المؤلفة تعتمد في أطروحتها على منهج البحث التاريخي غالباً مع استعانتها بالمناهج الأخرى أحياناً مثل الاحصائي والتحليلي حسب الجوانب التي تتناولها والأهداف التي تنشدها.

وقد جاء كتاب (سياسة ليبيا النفطية) في خمسة فصول مقسمة إلى عدة مباحث ومعنونة كالتالي:

الفصل الأول: الأسس القانونية لسياسة ليبيا النفطية، وقد تضمن هذا الفصل أربعة مباحث هي (مقدمات في سياسة ليبيا النفطية 1952-1955) و(“قانون البترول” رقم 25 لسنة 1955) و(ملاحق القانون وتعديلاته حتى عام 1963) و(اللوائح البترولية خلال 1955-1963) وكما نلاحظ من خلال هذه العناوين فإن التفكير في التشريعات القانونية “البترولية” النفطية وسنها قد سبق ظهور النفط في ليبيا وانتاجه وتصديره.

وتناول الفصل الثاني: نشأة وتطور الصناعة النفطية في ليبيا 1955-1963، اهتم بدراسة الاجراءات العملية وفتح قنوات التواصل والتفاوض مع الشركات العالمية المتخصصة في النفط، وقد جاءت مباحثه الستة كالتالي: (الامتيازات الممنوحة للشركات النفطية عام 1955-1963) و(عمليات البحث والتنقيب والاكتشافات النفطية الأولى) و(إنتاج وتصدير وتسعير النفط 1961-1963) و(نشأة وتطور المؤسسات النفطية) و(الاهتمام الامريكي المبكر باكتشاف النفط في ليبيا) و(تأثير النفط على الحياة الاقتصادية والاجتماعية 1955-1963).

أما الفصل الثالث فكان بعنوان (إنجازات مهمة في صناعة ليبيا النفطية عام 1964-1969) واشتمل على خمسة مباحث هي (تواصل عمليات استكشاف النفط عام 1964-1969) و(تحولات مهمة في سياسة ليبيا النفطية 1964-1969) و(إعادة النظر في قانون البترول ولوائحه) و(المؤسسة الليبية العامة للبترول (ليبتكو) وعقود المشاركة) و(مواقف جديدة في السياسة النفطية).

بينما جاء الفصل الرابع من الكتاب الأطروحة ليسلط الضوء على فترة ما بعد وصول العسكر إلى السلطة في ليبيا وسياساتهم في المجال النفطي والتغيرات التي طرأت عليها، واختارت له المؤلفة عنوان (متغيرات السياسة النفطية في العهد الجمهوري أيلول 1969 – 1974) التي تناولتها في أربعة مباحث هي (اتجاهات السياسة النفطية لنظام العقيد القذافي أيلول 1969 – 1970) و(الأسعار والاتفاقيات النفطية بعد قيام الجمهورية 1971-1974) و(التعديلات القانونية وأنظمة المؤسسات النفطية الجديدة في العهد الجمهوري) و(موقف الولايات المتحدة الأمريكية من سياسة نظام العقيد القذافي النفطية).

أما الفصل الخامس والأخير من الكتاب فقد تتبع قوانين التأميم وإجراءاته وانعكاساته الاقتصادية والسياسة وجاء بعنوان (سياسة تدخل الدولة في الصناعة النفطية والتحول نحو التأميم 1970-1974) مشتملاً على خمسة مباحث هي: (القوانين والتشريعات التي تنظم تدخل الدولة في الصناعة النفطية) و(التوسع في سياسة المشاركة) و(المفاوضات مع الشركات واتجاه ليبيا نحو التأميم الكامل) و(الانتقال من سياسة المشاركة إلى سياسة التأميم) و(انعكاسات حرب 6 تشرين الأول 1973 على سياسة ليبيا النفطية).

إن هذا الكتاب الأطروحة كما تعدها المؤلفة متميزة في كل شيء وتصفها بأنها (… بحق تستحق أن تكون دليلاً لكل المهتمين بالشئون النفطية والمسئولين عن إدارة النفط في العالم العربي، لأنها تقدم لهم حصيلة التجربة الليبية في هذا المجال الاقتصادي الحيوي، فهي التجربة الفريدة في العالم العربي التي قامت على قواعد قانونية تشريعية قبل اكتشاف النفط فيها واستمرت هذه التشريعات بالتغير مع تطور الصناعة النفطية فيها، وقد عكست تلك التشريعات طبيعة سياسة ليبيا النفطية والقاعدة الأساسية التي قامت عليها تلك السياسة، والحقيقة التي لا يمكن التغاضي عنها هي أن لا سياسة نفطية بدون وجود صناعة نفطية قائمة فعلاً في البلاد ..).

إن كتاب (سياسة ليبيا النفطية: 1955-1974) الصادر في العاصمة العراقية بغداد للدكتورة هند عادل اسماعيل النعيمي يضيف للمكتبة العربية والمهتمين بقطاع النفط الكثير من المعلومات والتحليلات القيمة عن تاريخ النفط في ليبيا والتي كما أجملها وعبّر عنها الدكتور ظاهر محمد صكر الحسناوي أستاذ التاريخ بكلية التربية ابن رشد للعلوم الانسانية بجامعة بغداد بالعراق الشقيق (…. أكاد أقول أن هناك مدرسة ليبية خاصة للسياسة النفطية أسسها الليبيون وتجسدت في هذا الكتاب، وهم اليوم بأمس الحاجة إلى التعلم منها لإدارة ثروتهم النفطية وبناء بلادهم التي حطمتها الحروب والصراعات الداخلية وهذه هي العبرة من دراسة التاريخ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى