كتاب الرائ

تخاريف .. الفنتازية والميثالوجيا والسخاء البصري

جلال عثمان

لم أكن أتوقع أن الكتابة حول عمل فني ليبي ستكون بهذه الصعوبة، هممت بالكتابة أكثر من مرة، ثم تراجعت، حتى أتجنب أن يكون ما أكتب مجرد انطباع شخصي تحركه العاطفة، ومن جانب آخر فالعمل يعد الأول من نوعه على مستوى الدراما الليبية من الجانب التقني، وسأتناول ذلك لاحقًا.

ما يهمني دائمًا في أي عمل درامي هو القصة، باعتباري أكتب القصة القصيرة منذ سنوات طويلة، وهو العمل الاقرب لنفسي، وكوني قد خضت تجربة كتابة السيناريو التلفزيوني، وإن كان عبر تجارب قليلة مع الفنان القدير حاتم الكور، وفي عمل واحد مع الفنان الراحل إسماعيل العجيلي. 

هنا لن أتحدث عن أنواع اللقطات، ولا على علاقة النص بالصورة، ولكن تحديدًا عن أشياء مهمة في تخاريف، أولها سلم الألوان، حيث برع المخرج مؤيد زابطية في اختياراته اللونية التي تناسب كل مشهد، إذ عادة ما تكون هناك رسالة عاطفية وراء كل لون، ولا يمكن أن يترك المخرج في السينما العالمية مهمة اختيار الألوان للممثل نفسه، أو حتى لمدير التصوير، فللألوان دلات مختلفة يجب أن تتوافق مع روح المشهد .. إضافة لحرص زابطية على أن لا يكون هناك أي تنافر في السينوغرافيا Scenography وهي كافة العناصر الداخلة في تشكيل المشهد، بالإضافة إلى ملابس الممثلين. 

عندما ترى الصوت 

عندما ترى الصوت هو الشعار المنطوق للـ Voice Over والمدرب المعروف خالد النجار، وفي تخارف بالفعل رأينا الصوت، حيث قام المخرج ولأول مرة في الدراما الليبية، بإعادة تسجيل جميع المؤثرات الصوتية من جديد، وعدم الاكتفاء بما تم تسجيله بالطريقة التقليدية، والمتمثلة إما بتسجيل العمل بأسلوب التلفزيون، حيث تلتقط آلة التصوير المؤثرات الطبيعة في ذات الوقت الذي تلتقت فيه الفيديو، أو على طريقة السينما، حيث يتم تسجيل الحوار على وسائط خاصة ومن ثم ربطها بالحوار في عمليات المونتاج .. فقد بدت الخطوات، وحركة لمس الاشياء، وحتى حركة سحب اليد من الجيب على درجة عالية من الوضوح والتأثير. ناهيك عن استخدام الصمت كمؤثر بشكل مدروس، وعدم المبالغة في استخدام المؤثرات الصوتية.

في جانب الأداء وهو أهم ملاحظة عادة ما يوجهها المشاهد الليبي للممثل المحلي، تابعنا أداءً رصينًا بعيدًا بشكل كلي عن الأداء الركحي العشوائي، (أنا أمثل أرجوك صفق لي) وقد رأينا مشاهد مركبة لفنانين كبار مثل هدى عبد اللطيف، وصلاح الأحمر، كانوا يستخدمون أدق التفاصيل في وجوههم للتعبير، وقدموا إمكانيات كبيرة جدًا في إيصال الحالة النفسية للشخصية، التي تكاملت مع العمل ككل منذ أول دقيقة إلى آخر دقيقية، وليس فقط مع المشهد الذي كانوا يؤدونه. إضافة للظهور الملفت للموهوب وهيب خالد المندمج في أدواره بلا حدود، والذي يقف في المسافة الوعرة، التي لا يجيد من هم في مثل سنه وخبرته الوقوف فيها، والتي تمثل الحد الفاصل بين التمثيل والواقع، فهو فنان بالفطرة، ويعرف كيف يمسك بزمام الشخصية. 

عندما أشفقت على البشاري !! 

أكثر الشخصيات التي كنت مشفق عليها قبل عرض المسلسل هو الكاتب الشاب إبراهيم البشاري، فقط زرت استوديوهات مؤيد فليم أثناء تصوير العمل، وحضرت بروفة تصوير أحد المشاهد، وجلست مع الكاتب، الذي حكى لي عن فكرة العمل، وكانت حسب وجهة نظري آنذك مغامرة غير محمودة العواقب، أولًا بسبب اقتحام الكاتب لمنطقة خطرة على صعيد الكتابة الدرامية، وهي الفنتازية الممزوجة بالميثالوجيا، فالبشاري يكتب عن قصص سمعها أبناء جيلي من أمهاتهم عشرات المرات، وحفظوها عن ظهر قلب، فكيف ستكون معالجته لقصص أخافتنا، ولكنها صارت خرافات تجاوزها عصر التقنية، ناهيك عن أن أمهات السواد الأعظم من الجيل الجديد المستهدف بمتابعة العمل، لم يعودوا يتذكرون هذه الخرافات، ولم يرووها لأبناءهن، لأنهن مشغولات بالفيس بوك، وبعضهن يلعبن الـ PUBG.

ولكن بعد مشاهدتي للحلقات الخمس الأول، ورأيت كيف استطاع البشاري السيطرة على الحوار، وكيف استطاع معالجة الخرافة لتكون مشهدية مقنعة، مليئة بالتشويق والإثارة، والأهم أنه استطاع الإفلات من فخ الملل. أنا ككاتب قصة أعرف جيدًا صعوبة تحويل خرافة مستهلكة إلى قيمة، وإسقاطها على الواقع المعاش.

على صعيد الإخراج كنا أمام نمط إخراجي جديد في الدراما العربية، وهو أسلوب تميز به المخرج العالمي أليخاندرو غونزالس Alejandro González  صاحب رائعة (21 جرام) وبابل، و Biutiful وغيرها من الأعمال المعقدة، التي تحتاج لمشاهدتها أكثر من مرة لفهم تفاصيلها، أو التي يعود بك مخرجها إلى بداية أو وسط العمل، لتغير فهمك لما شاهدت. 

على مستوى الإنتاج من تصميم مواقع، وتصميم معارك، وموسيقى، وتصميم ملابس، ومؤثرات، وتنكر يعتبر “تخاريف” البداية الفعلية لدراما ليبية يمكن أن تنافس عربيًا ودوليًا. خصوصًا إذا علمنا أن جميع من شاركوا في العمل كانوا ليبيين، ومثلت تخاريف بداياتهم الفعلية، باستثناء الممثلين الذين أثروا شاشتنا بأعمال مميزة على مدى سنوات .. لا يمكن لعمل مثل تخاريف ألا يستند تقنيًا على خبراء من خارج البلاد، على الأقل في تقنيات الصوت، وهو ما قام به مخرج مسلسل “ماوراء الطبيعة” للكاتب الراحل أحمد خالد ‏توفيق، والذي استعان بشركة إنكليزية متخصصة. 

بداية الدراما

لا أملك المساحة الكاملة للحديث عن كافة تفاصيل العمل، ولا عن جميع العناصر التي عملت فيه، حتى لا أسقط في قبضة الإسهاب، ولكنني على يقين أن جميع من عمل في هذه السلسلة الدرامية، كانوا على مستوى كبير من الموهبة والأداء، وقد أسسوا لأسلوب جديد سيؤثر بشكل إيجابي على جودة الدراما الليبية. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى