كتاب الرائ

الإنسان الزائد !

محمد ابوالقاسم الككلي

مصطلح عرفه الأدب الروسي خلال القرن التاسع عشر على يد مجموعة من الشعراء والكتاب ابرزهم إيفان تورغنيف في رواية (رودين)التي ترجمتها د حياة شرارة ونشرتها مطبعة الأديب البغدادية عام 1985 م ‘

الرواية كما تقول د حياة لم تكن تحمل اسم بطلها رودين وإنما أطلق عليها (الطبيعة العبقرية )حيث كان تورغنيف يود الإشارة مباشرة إلى شخصية البطل والدخول في عالمها الفني، فالبطل يتمتع بطبيعة قوية وخلاقة ترفض التصالح مع مفاهيم الحياة المبذلة ‘

عبقرية البطل رودين تجلت في معرفته وادراكه الفلسفي وتفكيره الواضح عند معالجته للقضايا وقدرته على الخروج باستنتاجات منطقية تبهر كل من يستمع إليه ‘

أن أبرز الصفات التي تميز شخصية رودين هو تمتعه بثقافة راقية وواسعة وفهم فلسفي عميق للقضايا والأزمات الحياتية وقدرة على تنبيه الآخرين إلى الركود والتفاهة التي يعيشونها وحثهم على النظر إلى أبعد من انوفهم ‘

لكن مشكلة بطل تورغنيف تكمن في أن هذا الفهم والقدرة وحث الآخرين على التفكير هو كل ما يملكه حيث انه عاجز علي تخطي (التنظير )إلى الفعل فالممارسة العملية تبقى الفاصل الذي لا يستطيع تجاوزه وهذا ما يكشف لنا جانبا من شخصيته (المدهشة المتألقة )التي تثير إعجاب الآخرين ‘

أن اختيار تورغنيف لعنوان الرواية (الطبيعة العبقرية )والذي استبدله لاحقا باسم (رودين )كان ينطوي كما تقول د حياة على شيء من السخرية والازدراء الخفيين حيال البطل ذلك أنه رغم ذهنه المتوقد وقدرته على زرع الحماسة في الآخرين نجده مترددا حائرا أمام المشاكل اليومية العادية فلا يستطيع مواجهتها أو اتخاذ قرار حاسم وربما لهذا السبب اختار استبدال العنوان ‘

البطل رودين وقف عاجزا عن الأقدام على عمل حقيقي وفعال واتخاذ موقف حازم للحفاظ على حبيبته (ناتاليا )وهنا تتحول العلاقة العاطفية إلى امتحان حقيقي لمدى قدرته على مواجهة مشاكل الحياة واتخاذ موقف حيالها، ويتحول الموقف العاطفي إلى موقف اجتماعي، فهو عندما تخلى عن مشاعره وتراجعه أمام مطالبة ناتاليا له بضرورة اتخاذ موقف وقرار حاسم يمثل حلقة في سلسلة مواقفه العاجزة طيلة حياته وتكشف لنا صفة اجتماعية تكمن في فشل أفكاره عند ارتطامها بالواقع وهنا تتضح أهمية عنصر الحب في الرواية لأنه يكشف لنا الجانب السلبي في أفكار رودين الذي تنتهي حياته في باريس بطريقة عبثية ‘

بطل تورغنيف رودين يمثل جيلا بأكمله من المثقفين النبلاء في خمسينيات القرن التاسع عشر فقد كان لهم دور بالغ الأهمية في الأفكار التي سادت خلال تلك الفترة لكن جوانب الضعف والعجز في شخصياتهم أمام الواقع وقفت عائقا أمام حركة النضال الوطني ‘

شخصية رودين هي امتداد لشخصية (بتشورين )في رواية (بطل من هذا الزمان )الذي كتبها ميخائيل ليرمنتوف عام 1840 م وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين عاما فهو أيضا لا يستطيع مهادنة الواقع أو قبوله كما هو ولكنه أيضا عاجز عن تغييره ومع الوقت دفن في أعماق نفسه أفضل مشاعره واسماها وتعلم مواجهة الآلام بلا مبالاة بعد أن كان يغضب لعجزه الشخصي، ولكنه عود نفسه بالتدريج على عدم الإيمان بشيء وهكذا تحول على حد تعبيره هو الى كسيح أخلاقيا ‘

الناقد بيلنسكي يري في بتشورين بطلا لعصر وسيط عندما أشار إلى الحالة النفسية الانتقالية للبطل تلك الحالة التي تحطم فيها كل قديم بالنسبة للإنسان بينما الجديد لم يظهر بعد والتي يصبح فيها الإنسان مجرد إمكانية لشيء فعلي في المستقبل وشبح في الحاضر ‘

حالة رودين وبتشورين تنطبق على المثقفين العرب مع فارق في الزمان، المثقف العربي اليوم ***********؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *