تحقيقات ولقاءات

الأمثال الشعبية..قصص وعبر تحاكي الواقع أثرت في حياة الفرد والمجتمع وعكست تجاربه.

براءة الأحمر

إن الأعراف الاجتماعية هي قوانين وقواعد غير مكتوبة أي أنها الدستور الاعتقادي للمجتمع وهي الصورةٌ العاكسة لتاريخ وثقافة وحضارة مجتمع ما حيث أنها نتاج تجارب فردية اجتماعية أو اجتماعية اجتماعية أتبعها الناس كنمط معيشي أساسي ينظم حياتهم ويسيطر على تفكيرهم وسلوكهم، وبمرور الزمن تكتسب نوع من الثبات والقدسية حيث يصبح من الصعب تغييرها أو مخالفتها.. للحفاظ على تماسك المجتمع واستقراره ، وتعتبر الأمثال الشعبية من أهم الوسائل لتوارث هذه الأعراف والعادات، ففي كلمات معدودة يحكي المثل الشعبي ضمير أجيال وشواهد ماض مُوغِل في القدم، في عبارات آسرة موزونة وفي إيجاز لفظي وحسن تشبيه وجودة الكناية فهو نهاية البلاغة ، فيُقال “المثل في الكلام كالملح على الطعام” ويُمَثِّل المثل “نظرة مجتمعية للكون” تبين المباح والمستحب والمذموم من فعل أو قول، والتي هي أيضاً وليدة تجربة حياتية مرَّ بها فرد أو أفراد في مكانٍ ما وزمانٍ ما ،و يُذكر المَثل كمؤيد لفكرة أو تفنيدِها، بل وتكونُ حاسمةً عندَ اختلافِ وجهاتِ النظر؛ حيث يذكر المثل باعتباره القاعدة التي من اتبعها هو الأجدر بفوز النقاش، لتكوّن بالنهاية الذاكرة الجمعية للشعب وتؤثر بشكل كبير على سلوك أفراده إيجابا أو سلباً، وتتناقل هذه القيم والأعراف والعبر من جيل إلى جيل باللاشعور واللاوعي الجمعي لتتحول إلى سلوك ونسق اجتماعي مسيطر، وأحيانا من شعوب إلى شعوب نظراً لتواصلها المستمر قديما إما عن طريق الأمثال الشعبية او الأساطير والقصص وال(خراريف) وذلك لمكانتها وقربها من روح ونفسية الناس بجميع الأعمار وجميع الأجناس وقدرتها على التأثير فيهم ، فتصبح جزء من حياة الفرد وتدخل في تكوينه الشخصي والنفسي وتكوين الهوية الجمعية والوعي الجماعي للمجتمع، والذي قد يكون احيانا خطيراً لأنه يولد شخصيات نمطية أو نسخ نمطية غير سوية، فقد يستمر الناس في إتباع تقليد أو عرف ولّى زمنه ومَنْطِقُه و استخدام أمثال ذُكِرت في مناسبات وأزمنة وأمكنة مختلفة وأصبحت لا تتناسب مع نمط حياة الإنسان الحالي بعد التطور الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي والاجتماعي أيضا الذي حل بالعالم ، و للأمثال دورٌ تربوي كبير ومهم فمنها ما يحدد القيم العليا ويكون بوصلة الخير والشر فقد يتحول المثل الشعبي إلى سند رئيس لتحقيق النجاعة المهنية وقيادة التغيير، في الممارسات الاقتصادية والاحترازات السياسية والقرارات الاجتماعية إضافة إلى أنه يتحول إلى آلية نقد واحتجاج على الجور والظلم وغياب العدالة الاجتماعية.

بينما منها ما يقرر ويفرض أحكام سلبية لا تسمن ولا تغني من جوع، وقد تلعب دور المدمر بدل المصلح والمخلص، وساهمت العديد منها بتسويق ثقافة الإحباط والأنانية والانتهازية و النفاق والفساد وأساءت العديد منها للمرأة بوجه الخصوص، فضلاً عن أمثال أخرى مُؤَسِّسة لبنية التعجيز والقبول بالأمر الواقع، وأخرى مُبررةٍ للتفاوتات الطبقية ومُحبذة للفقر والاستسلامية وما إلى ذلك من موانع الانتقال إلى مجتمع المواطنة ودولة المؤسسات والحق والقانون، وبذلك تعيد إنتاج القيم الجاهلية وتقدمتْها على شكلِ نصائحَ مضلّلِة ومشبوهة، يتوارثها جيل عن جيل بسذاجة مفرطة وكأنَها قواعد علمية وبديهيات غير قابلة للنقاش على طريقة نتبع ما وجدنا عليه آبَاءَنا.

وتأثير الأمثال لا يكون فقط على الأفراد أو الجماعات من الناحية الاجتماعية فقط بل أيضاً يؤثر في نظام حكمها وفي اقتصادها وسياستها أيضا لأنها كلها نتاج تكوين نفسي وثقافي اجتماعي.

وإن الحالة السياسية العربية الراهنة بانسداداتها وإخفاقاتها، لا يمكن أن تكون نتاجاً خالصاً لأزمة فوقية مرتبطة بالنخب الحاكمة فقط، ففضلاً عن وجاهة هذا العنصر، يمكن الحديث عن بناء ثقافي تحتيّ مسنود بأمثال شعبية انهزامية تؤسس للخنوع والانقياد، وهو ما يوجب التفكير في مشروع “ثوري” لغربلة هذه الأمثال السلبية، وإزاحتها من سياقنا التداولي، حتى نتمكن من تشكيل وعي عربي قادر على التحرر والفعل والتغيير، أملاً في أن يصير ابن الفلاح وزيراً وان يصير ضل الحيطة المتعوب عليها أهم من ظل الراجل وان يبدأ العربي بالتخطيط لبكرا بدل أن يجوع فيه في سبيل أن يشبع اليوم وأن تُستبدل ربنا بيرزق الدودة وهي فقلب الحجر ب أعقلها وتوكل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى