الصحة حياة

ليست الصحة عيادة ولا مستشفى ، ولا سريرا أبيض تحيط به الأجهزة ، بل هي أسلوب حياة ونسق تفكير ، وتوازن بين الإنسان وبيئته ، الصحة هي أن يعيش الإنسان في بيئة نظيفة ، وفي مسكن صحي ، وفي مدينة تتنفس في وطن لا تقتل فيه رائحة العادم عبق الصباح ، ولا يختنق هواؤه من الدخان والغبار واللامبالاة ، الصحة ليست دواءً يُبتلع ، بل غذاء يُزرع ويُنتج بضمير ، وفي كل ثمرة عضوية تنبت من أرض لم تُسمم بالمبيدات والأسمدة الكيميائية ، وفي كل قطرة لبن من ماشية تغذت على عشب طبيعي ، وفي كل غدير ماء نقي لم تلوثه المصانع ، تسكن روح الصحة التي تعانق الجسد قبل أن يمرض ، وتمنحه المناعة قبل أن يحتاج إلى علاج ، الصحة أن يكون في مدننا تخطيط عمراني يحترم الإنسان لا الإسمنت ، والحدائق ليست زينة بل ضرورة والممرات ليست عبورا بل متنفسا ، والمنازل لا تكون ضيقة خانقة بل فضاءات للحياة العائلية الدافئة والسكينة النفسية ، الصحة هي أن يسير الإنسان تحت شجرة لا تحت دخان وعوادم ، وأن يسمع صوت العصافير لا هدير المولدات ، الصحة هي ثقافة وسلوك ومسؤولية جماعية ، أن نحترم طعامنا فلا نغشه ، ومياهنا فلا نلوثها ، وبيئتنا فلا نخربها ، وأن نُجرم كل نشاط تجاري أو صناعي يضر بالصحة والبيئة مهما كانت أرباحه ، الصحة أن تتحول الرقابة من إجراء إداري إلى ضمير حي ، وأن تُغلق المقاهي والمطاعم والمتاجر التي تعبث بصحة الناس ، وأن يُحاكم من يلوث الطبيعة كما يُحاكم من يعتدي على الأرواح ، لأن كليهما قتل بطريقة مختلفة ، الصحة ليست رفاهية ، بل حق وواجب وعدالة ، ولكل إنسان حق في سكن لائق يقيه الرطوبة والعفن ، وغذاء كاف متوازن يضمن له الكرامة ، وماء نقي يُطفئ عطشه دون أن يزرع فيه السموم ، وبيئة خضراء تُعيد له الثقة بأن الطبيعة ما زالت أمّا وليست ضحية ، الصحة هي الاقتصاد النظيف ، الذي لا يُتاجر بالسموم ولا يتربح منه على حساب الهواء والماء والإنسان ، هي التنمية التي توازن بين الإنتاج والحماية ، بين الربح والحياة ، وبين الطموح والضمير ، الصحة هي أن نعيش بتوازن مع أنفسنا ومع العالم ، بلا تدخين ولا مخدرات ولا كحوليات ولا ترف قاتل ولا إسراف في الطعام والشراب ، بل بوعي غذائي ونفسي وروحي يجعل الجسد والعقل في انسجام ، الصحة أن نُعيد تدوير ما نستهلكه ، لا ندفنه في الأرض ولا نحرقه في الهواء ، وأن نحول النفايات إلى طاقة ، والقمامة إلى مورد ، والوعي إلى نمط حياة ، الصحة هي أنسنة التنمية ، وأن تكون الحياة ذات معنى لا مجرد استمرار في التنفس ، هي فلسفة ترى في الجمال والاتزان والنقاء أركانا للوجود ، وفي العدل والرحمة والوعي طريقا للاستمرار ، وحين تكون الصحة حياة ، تغدو المدينة كائنا حيا يتنفس ، ويصبح البيت واحة ، ويتحول الإنسان من مريض ينتظر العلاج إلى كائن يصنع الحياة ويصونها . حين ندرك أن الصحة ليست علاجا للمرض ، بل معنى للحياة ، تتغير نظرتنا إلى النظام الصحي برمّته ، فالنظام الصحي الإنساني لا يُبنى على عدد الأسرة والأجهزة والمستشفيات ، بل على فلسفة تحترم الإنسان في بيئته ، وتراه وحدة متكاملة من الجسد والعقل والروح والمكان ، هو نظام لا يكتفي بمداواة الألم ، بل يمنع المرض من أن يولد أصلًا بالوقاية والتعليم وتطهير البيئة وضمان العدالة الاجتماعية ، وتوزيع الموارد بعدالة وضمير ، إن فلسفة الصحة والحياة هي أن يعيش الإنسان في تناغم مع الطبيعة ، وأن تكون البيئة صديقة له لا عدوا ، وأن تتحول الصحة من شأن طبي إلى قضية وجودية وأخلاقية تُبنى عليها السياسات والاقتصاد والعمران والتعليم والغذاء ، ومن هذه الفلسفة تُبنى النظم الصحية العصرية والإنسانية التي تعزز الصحة وتحسنها للناس ، لا في غرف المستشفيات ، بل في الشوارع النظيفة ، والمدارس الراقية ، والحدائق الخضراء ، والمياه النقية ، والغذاء الآمن ، والعدالة الاجتماعية التي تمنح الإنسان الأمان قبل الدواء ، وحينها فقط تتحول الصحة إلى حضارة ، والحياة إلى رسالة ، والإنسان إلى غاية ، فمن يبني نظاما صحيا على هذه الفلسفة ، يبني وطنا يتنفس بالحياة ، ويزرع في كل قلب إنسانا سليما ، وجسدا معافى وروحا مطمئنة .
د.علي المبروك أبوقرين






