كتاب الرائ

الجاهزية والاستجابة والأمن الصحي


تُعد الجاهزية الصحية ركيزة من ركائز الأمن الوطني ، وأحد أعمدة بقاء الدول واستقرار المجتمعات ، فالصحة اليوم لم تعد شأناً طبيا فحسب ، بل أصبحت قضية أمن قومي وإنساني واقتصادي ، تتوقف عليها حياة الشعوب واستمرارية التنمية وقدرة الدول على الصمود أمام الأزمات والجوائح والتحديات المفاجئة ، لقد علمتنا جائحة كورونا أن العالم ، رغم تقدمه العلمي والتقني ، كان هشا أمام فيروس مجهري أربك الأنظمة الصحية ، وشل حركة الاقتصاد ، وأغلق المدارس والمطارات والمصانع ، وكشف عن ضعف التنسيق الدولي ، وهشاشة المنظومات الصحية حتى في أكثر الدول تقدما ، كانت الجائحة امتحانا قاسيا للعالم بأسره ، أظهرت فيه الفوارق بين الدول الجاهزة وتلك غير المستعدة ، وبين من امتلك منظومات رصد واستجابة قوية ، ومن اعتمد على ردود الفعل المتأخرة والتدابير العاجلة ، فالجاهزية ليست شعارا يُرفع بعد وقوع الكارثة ، بل نهج استراتيجي دائم يقوم على الاستباق والتنبؤ والتخطيط العلمي ، إنها تبدأ من الترصد والإنذار المبكر ، وتمر عبر القدرات التشخيصية والمخبرية المتقدمة ، وتنمو بفضل البحوث الحيوية ، وتتكامل بتطوير اللقاحات والأدوية ووسائل الحماية ، وتنضج في الاستجابة السريعة المنظمة والمنسقة بين كل القطاعات ، والجاهزية الحقيقية لا تكتمل إلا بتوافر قوى عاملة صحية مؤهلة ومدربة تدريبا ميدانيا حقيقيا ، تتعامل مع الطوارئ بثقة واقتدار ، وبوجود بنية تحتية صحية متينة تشمل المستشفيات المرجعية ، ومراكز العزل ، والمختبرات الوطنية ، وشبكات الإمداد الطبي والدوائي الموثوقة ، كما تستوجب الجاهزية مخزونات استراتيجية من اللقاحات والأدوية والمستلزمات والتجهيزات ، ونظم اتصالات ومعلومات صحية ذكية تربط بين المرافق والمستويات الإدارية ، لضمان سرعة القرار ودقة الاستجابة ، أما الأمن الصحي فهو المظلة الكبرى التي تجمع كل هذه المكونات ، هو التوازن بين الوقاية والعلاج ، وبين الاستعداد الوطني والتعاون الدولي ، وبين السياسات الصحية والقدرات الميدانية ، فالأمن الصحي لا يُشترى ، بل يُبنى بالمعرفة ، ويُصان بالعلم ، ويُحمى بالوعي والانضباط والشفافية والثقة بين المؤسسات والمجتمع ، ولعل أخطر ما يواجه الأمن الصحي هو الانتظار حتى تقع الكارثة ، والتعامل معها بردود أفعال متأخرة ، فالأوبئة والجوائح لا تمنح مهلة ، ولا تنتظر قرارات بطيئة ، ولا ترحم أنظمة مترهلة ، إن التعامل برد الفعل يكلّف الأرواح والاقتصاد ، ويهدر الثقة العامة ، ويكشف ضعف التخطيط والإدارة ، لذلك فإن الجاهزية والاستجابة السريعة ليست ترفا ، بل ضرورة وجودية لحماية الإنسان والدولة معا ، وإن التهديدات الصحية المقبلة بما فيها الأوبئة والجوائح والتحورات الفيروسية والتغيرات المناخية تمثل أخطر ما يهدد استقرار العالم ومستقبل الإنسانية ، ولا مجال لمواجهتها بالانتظار أو الارتجال أو الخطط المؤقتة ، بل لابد من بناء منظومات وطنية قوية ومرنة وموحدة للأمن الصحي ، قادرة على الرصد المبكر ، والاستجابة الفورية ، والتعامل الذكي مع الأزمات ، ففي زمن تتسارع فيه الأمراض كما تتسارع التكنولوجيا ، لا نجاة إلا بالعلم والجاهزية والاستباق ، والاتحاد في وجه الخطر قبل أن يصبح الخطر واقعا لا يُحتمل ..
التهديدات الصحية القادمة لن تهزم بالصدفة بل بالعلم والوعي والجاهزية والتعاون الإنساني العابر للحدود .
د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى