كتاب الرائ

لبنان

لبنان ليس وصفًا يُختصر ولا جغرافيا تُحاط بالكلمات هو حالة إنسانية متدفقة تشبه الضوء حين يمر عبر زجاج ملون فيخلق من الاختلاف وحدة ومن التناقض جمالًا ومن الألم معنى لبنان الذي يطل من جبال الأرز على البحر ليس مجرد مشهد إنما فكرة تقول إن العلو لا يناقض الانفتاح وإن الجذور العميقة لا تمنع الامتداد البعيد، لبنان الذي يعانقه البحر الأبيض المتوسط منذ آلاف السنين ليس شاطئًا فقط هو بوابة حضارات ومرفأ حكايات ومسرح عبور للإنسان والمعنى، من صور التي أرسلت أشرعتها لتعلم العالم معنى السفر والتجارة إلى صيدا التي صاغت الحرف والحرفة، ومن جبيل حيث وُلد الكتاب إلى طرابلس التي حملت عبق التاريخ، ومن بيروت التي لا تموت إنما تعيد كتابة نفسها كل مرة بالحياة إلى بعلبك حيث الحجارة تتكلم لغة الخلود ومن بنت جبيل التي تحفظ كرامة الأرض إلى زحلة وجونية ودير القمر وبيت الدين والنبطية وعكار والشوف يمتد لبنان كقصيدة لا تنتهي كل بيت فيها مدينة وكل سطر فيها حكاية وكل فاصلة فيها ذاكرة، لبنان ليس فقط مدنًا بل أصوات حين تتداخل أجراس الكنائس مع الأذان ومع ترتيل الحسينيات في مشهدٍ لا يُشبه إلا نفسه هو التعايش حين يتحول إلى موسيقى وهو الإيمان حين يصبح لغة مشتركة تتجاوز الاختلاف، لبنان الذي يلبس الثلج شتاءً ويخلع عنه الصيف ليعود إلى كرومه وضيعه وسواحله هو دورة حياة كاملة تُعلم الإنسان معنى التجدد وفي لبنان لا تُذكر الأرض دون أن تُذكر الأسماء فهنا صوت فيروز الذي صار وطنًا وهنا الأخوان عاصي الرحباني ومنصور الرحباني اللذان نسجا الحلم وهنا وديع الصافي الجبل صوتًا وهنا مارسيل خليفة الذي جعل العود بيانًا وهنا صباح الفرح الذي لا يشيخ وهنا إليسا ونانسي عجرم ونجوى كرم حيث تستمر الحكاية بصوتٍ جديد لا ينفصل عن جذوره، وفي الكلمة يقف جبران خليل جبران ليقول إن لبنان فكرة قبل أن يكون مكانًا ويأتي ميخائيل نعيمة ليمنح الفكر عمقًا ويعبر أمين معلوف بالعالم نحو الشرق ويكتب نزار قباني في بيروت قصيدةً للحب والمدينة ويصوغ أدونيس حداثة اللغة على تخومها، وفي العلم والطب يقف لبنان شاهدًا على عقول صنعت الفرق في العالم من مايكل دبكي الذي أعاد تعريف جراحة القلب إلى كارلوس شاغاس دونابيديان استاذي الذي وضع معايير جودة الرعاية الصحية التي يُقاس بها العالم اليوم، ومن جامعات كالجامعة الأمريكية في بيروت وجامعة القديس يوسف التي صنعت أجيالًا حملت العلم إلى كل القارات، لبنان هو المطبخ حين تتحول التبولة والفتوش وورق العنب إلى ذاكرة وهو القهوة حين تُسكب كطقس يومي وهو الضيافة حين لا يكون الغريب غريبًا وهو النكتة حين تُهزم الأزمات بالضحك وهو اليد التي تعمل والعقل الذي يُدبر وهو الإنسان الذي يهاجر لكنه لا يغادر بل يحمل وطنه معه إلى كل مكان، قيل عنه باريس الشرق وقيل سويسرا الشرق وقيل مستشفى الشرق لكن الحقيقة أن لبنان ليس نسخة من أحد بل أصل قائم بذاته نموذج معقد جميل صعب لا يُختصر ولا يُستنسخ بلد ينهض كلما ظُن أنه انتهى ويكتب نفسه من جديد كلما حاولت الأزمات أن تمحوه، لبنان هو المفارقة التي لا تُفسر كيف يجتمع الألم مع الجمال والانقسام مع الوحدة والهشاشة مع القوة والضيق الجغرافي مع الاتساع الحضاري هو بلد صغير بحجمه كبير بأثره محدود بمساحته لا محدود في حضوره هو الفسيفساء التي لا تكتمل إلا بكل قطعها وهو الدرس الذي يقول إن التنوع إذا حُمي صار قوة وإذا أُهمل صار جرحًا، ولأن لبنان كذلك فإنه لا يحتاج إلى من يمدحه بقدر ما يحتاج إلى من يفهمه ويحمي معناه لأن هذا البلد ليس مجرد تاريخ مضى بل احتمال دائم لمستقبل أجمل إذا اجتمعت إرادة أبنائه على أن يبقى كما كان دائمًا أكثر من بلد وأكبر من أزمة وأعمق من وصف وأقرب إلى القلب من أي تعريف.

د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى