فاتورة العافية المفقودة

د.علي المبروك أبوقرين
في غياب النظام الصحي القوي الموحد الفعال، وغياب التغطية الصحية الشاملة، وغياب الرعاية الصحية الأولية والخدمات الصحية المتكاملة، وتعطل الخدمات الصحية بالمرافق الصحية للأسباب المتعددة والتي لا دخل للمريض بها، فمن هنا تبداء رحلة فاتورة المرض والتي ليست تلك الأرقام التي تُكتب في نهاية المطاف على ورقة حساب، وليست تلك المبالغ التي يدفعها المريض عند باب عيادة ما، لا أحد يعلم كيف حٌددت التسعيرة ومن حددها، أو عند شباك خزينة المستشفى. إنها أطول من ذلك بكثير وأعمق وأقسى. إنها تبدأ قبل أن يُسمّى المرض مرضًا، وقبل أن تشخص العلة، تبدأ مع أول شعور غامض بالاختلال، ومع قلق يتسلل، وخوفٍ يتضخم في الخيال، واضطراب يُربك توازن الإنسان، هناك تبداء الفاتورة الحقيقية ثم يدخل الإنسان في متاهة الاختيار أي طبيب؟ وأي إسم؟ وأي ثقة؟ وأي معيار؟ هل يختار الطبيب والكفاءة بعدد النجوم على المنصات؟ أم بعدد المتابعين؟ أم ببريق الإعلانات؟ أم بمظاهر وصور الرفاه التي تعرض على الشاشات والمواقع سيارات فارهة ومساكن فاخرة وازياء غالية ورحلات مترفة ، ومظاهر تسوق الكفاءة كما تسوق السلع، وهنا يسقط المعيار الحقيقي للعلم ويصعد معيار السوق. وتتحول المهنة إلى عرض، والعلم إلى محتوى، والخبرة إلى إعلان، ويُدفع المريض في ضعفه إلى اتخاذ قرارات مصيرية بمعايير لا تمت للطب بصلة. فيختار ليس لأنه وجد الأفضل إنما لأنه أقنع بالأكثر حضورًا، ثم تأتي لحظة اللقاء وهي دقائق معدودة لا تكاد تكفي لسماع الألم، ولا لفهم الإنسان ولا لبناء الثقة، وأسئلة أكثر من الإجابات، لتبدأ بعدها سلسلة طويلة من الطلبات تحاليل وأشعة وفحوصات بعضها ضرورةٌ وبعضها احتمالات، وبعضها لا يعلم حقيقتها إلا الله ومن طلبها. وهنا تتضخم الفاتورة ليس كأرقام فقط إنما كحالة وجودية، في تنظيم المواعيد والتنقل بين المراكز والانتظار الطويل والاستنزاف المالي والتشتت والقلق النفسي، وتضارب الأراء فيتحول القلق إلى رفيق دائم والخوف إلى كابوس مفتوح وتتكاثر الأصوات نصيحة من قريب وتجربة من صديق ورأي من عابر، ويعلو صوت الجميع في صوت واحد احجز وسافر.، وكأن الخارج خلاص مطلق، وكأن المدن البعيدة أكثر رحمة، وأكثر علمًا وخبرة وأكثر إنصافًا، لكن الحقيقة الصادمة أن الفاتورة هناك لاتنتهي بل تتضاعف وتتضخم في سفر وإقامة ومعيشة، ونظام صحي مجزأ، كل خدمة لها حساب، وكل يد تمتد لها فاتورة ، والأطباء في معظم الأحوال خارج الحساب، والخدمات خارج المنظومة والدواء له سعر والمستلزمات لها سعر، والإنسان في النهاية يقاس بقدر ما يستطيع أن يدفع ، وهنا لا تُفرز الأمراض إنما للأسف يُفرز الناس. لكن الفاتورة الأشد قسوة ليست هنا فقط، هناك فواتير تُدفع بصمت كل يوم دون أن تكتب ، فاتورة الهواء الملوث، وفاتورة الماء غير الآمن، وفاتورة الغذاء المختل، وفاتورة الضغوط، وفاتورة الإهمال وفاتورة السياسات الغائبة. ندفعها ونحن نظن أننا نعيش ، بينما نحن في كثير من الأحيان نشتري المرض على أقساط طويلة، ثم ندفع مرة اخرى لنتعافى من ما صٌنع بنا ، وبذلك تكتمل المفارقة القاسية ندفع لنمرض وندفع لنتعافى أو الأصح ما كنا نظن إنه علاج، .ومع هذا هناك طبقة أعمق وأكثر قسوة وخفاءً فاتورة ضخمة تُدفع في ميزانيات الصحة نفسها، وفاتورة هدر الموارد في صفقات توريدٍ مُبالغ فيها، أو في معدات لا تُستخدم كما ينبغي، أو في منظومات تُشترى أكثر مما تُبنى.
وفاتورة تُدفع عبر اعتماداتٍ تُمنح لتجار يوردون سلعًا ضارة، أو أدوية مغشوشة، أو منتجاتٍ لا تداوي بقدر ما تُضيف عبئًا جديدًا على المرض. وفاتورة أخرى يدفعها المريض دون أن يعلم، حين يتحول إلى مادة للإعلان التجاري، وزبون للدعاية، ومصدر تمويل غير مباشر لصناعة تستثمر في صور الرفاه، والفخامة والسياحة والتسويق الزائف باسم الطب. يدفعها حين يُقنع بأن الجودة تُقاس بالمظهر،
وأن الثقة تُشترى بالصورة، وأن العلاج يُسوق كما تُسوّق السلع. بل هناك ما هو أعمق من ذلك كله
فاتورة الكرامة الإنسانية حين يُجبر المريض على التوسل، أو الانتظار المهين، أو البحث المضني عن حق بديهي في العلاج. وحين يشعر أن حياته مرتبطة بقدرته على الدفع وليس بحقه في الحياة. وهنا تكتمل المفارقة القاسية أننا ندفع دون أن نعلم ، وندفع حتى كرامتنا. فأي نظام صحي هذا الذي يجعل الإنسان ممولًا لمرضه، ثم ممولًا لعلاجه، ثم ممولًا لوهم يُباع له باسم الصحة، إن الصحة ليست رحلة فواتير، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك. هي حق أصيل مكفولًا بالدساتير وليس مسار استنزاف. وهي كرامة وليست صفقة. وهي طمأنينة وليست قلق ممتد مع الحياة، وكل ما دون ذلك ليس طبًا إنما اختلال في معنى ومفهوم الطب.






