كتاب الرائ

حلقة مفاتيح – لا يعوّل عليه

مفتاح العمّاري -

حلقة مفاتيح
مفتاح العمّاري
لا يعوّل عليه

إذا ما توعّك فرّان الحيّ، حتما سيغضب أهل الحيّ، لأن غياب الفران يعني بداهة حرمانهم من الخبز، وبالتالي سوف يتساءلون في غضب وحنق، وربما يتظاهرون ويعتصمون ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها. يتكرر الحال نفسه بصدد اختفاء عمّال النظافة، لحظة أن تتراكم الأوساخ وتتكدس أكياس القمامة وأكوام النفايات في الشوارع دونما أحد يجمعها ويحملها إلى حيث المكبات العامة.
كذلك سيغضب الحيّ بقضه وقضيضه فيما لو أُفتُقِد الصرّاف والطبيب والبقال والخضّار والقصاب؛ لأن كل هؤلاء مع إضافة الحلاق والتارزي وحتى القهوجي والسنفاز، يقدمون خدمات يومية (بين ضرورات وكماليات) تلبّي بالطبيعة متطلبات الجسد وما يقع في حكمها، ولاسيما المعدة. لكن لو غاب المثقف لأمرٍ ما، سواء توعك أو اضطر للسفر أو لديه ما يشغله عن العطاء، أو دهسته سيارة مسرعة، فغادر الحيّ دونما رجعة؛ فإن السكان لن يستشعروا غيابه. لأنهم (أي سكّان الحيّ) قد تعودوا لأسباب معلنة وخفية هذا التجاهل للشخص المثقف؛ فهم بطبعهم، وطبيعتهم التي جبلوا عليها، غير مبالين بشؤؤن الثقافة وأهلها، ولا تعنيهم البتة مشاكلها وقضاياها. فلو توقفت لأي سبب من الأسباب الجريدة اليومية عن الصدور، فلن تخرج مظاهرة شعبية غاضبة تستنكر اختفاء جريدتهم؛ كما لن يتساءل احد عن إقفال المسرح ودار العرض والمكتبة العامة وغيرها من منشآت الثقافة ودورها ومؤسساتها. هذه الكوميديا السوداء ستتحول مشاهدها إلى صور أكثر تراجيدية وفداحة، حين يتعلق الشأن بغياب الشاعر؛ فهذا الكائن الذي كان في زمن عربي ما، طوته الذاكرة، ومحاه النسيان، كان محل احتفاء وترحيب وتبجيل من أهله وذويه، أمسى مجرد مخلوق نكرة لا يُعوّل عليه.
إزاء هذا النفي العرفيّ والتقليدي والشعبي والرسمي لكيان الشاعر، تبدو آلة الواقع أكثر تعقيدا لحظة أن تتآمر على وجدانها، وتلهث دونما هوادة خلف حاجات الجسد، غافلة متطلبات الروح، وبالتالي قد تنتج هذه الآلة الوحشية سلوكا في غاية الضراوة والخطورة لحظة أن تتواطأ المنابر الإعلامية نفسها التي يناط بها إعادة صياغة وإنماء الوجدان عبر حضور الشاعر، لتقف من حيث تدري أو لا تدري مع منظومة إقصائه وتهميشه؛ فلا غرابة إذا لم يحظ الشاعر في عهد الديكتاتورية والطغيان بأي اعتراف من مؤسسات أقيمت تحت عناوين ثقافية وإعلامية تعمل على تدمير القيم، وتجفيف الوجدان الجمعي، خلال أربعة عقود من نظام العسكرة ومجتمع الثكنات الذي يضع من بين أولويات سياساته الثقافية تعطيل مخيلة الإبداع، وشلّ روح التضامن، ومسخ الوجدان الوطني، لكي يسرّع بقيام جماهيرية القطيع.
وبالتالي قد اندرج الترويج والتسويق لتتفيه وتمييع شخصية الشاعر بصورة ساخرة وتهكمية في المنابر والمحافل، ضمن مفردات تلك المخططات المقيتة، إلى الحد الذي دفع بأحد ما يسمّى بأمناء (وزراء) الثقافة والإعلام أن يطلق على الشعراء صفة (كلاب سوق). وهو سلوك غير مستغرب في حينه من نظام قمعي كرس آلته الإرهابية لتصفية وتكميم أفواه المثقفين والمبدعين. لكن أن نكتشف، وبعد مرور ثمانية أعوام ميلادية من زمن ثورة فبراير، وفي ظل تحولات ليبيا الجديدة، أن منابرنا الإعلامية المحسوبة على القطاع الإعلامي الرسمي مازالت ترتكب مثل هذه المثالب في حق الشاعر وقصيدته. لا ريب أنها معضلة تنطوي على مفارقة صعبة. هذه المفارقة لن يكون فهمها محيّرا لحظة أن ندرك بأن مثالب التجفيف نفسها التي كابدنا طغيانها طيلة أربعة عقود من الغبن والإقصاء والتحقير والتهميش لدور الشاعر وقصيدته، مازالت عالقة بذهنية مؤسساتنا الثقافية والإعلامية، ليست بوصفها مقارا ومنشآت بل الشبهة تشير تحديدا الى رؤسائها وقيادييها وكبار موظفيها، ممن يدّعون بأنهم من حملة أفكار 17 فبراير.
لأنهم لم يتوصلوا بعد لأية مفاهيم تتعلق بخطط وبرامج لسياسات ثقافية تنسجم مع خدمة الإبداع كجزء من مشروع كبير يستهدف التنمية الثقافية. لأن فعل تهميش الشاعر وإقصاء قصيدته خارج المشهد، لا تقتصر أضراره على الشاعر وقصيدته فحسب، بقدر ما يعدّ جرما فادحا في حق وجدان وطن بأسره. وفي انتظار أن يأتي الزمن الممكن، زمن الرؤى الطيبة والبهاء المبارك، الزمن الذي تستعيد فيه القصيدة مجدها ومكانتها كغذاء ضروري للروح، يمكن حينها أن يغضب سكان الحي أو تثار حفيظتهم، لحظة غياب الشاعر وقصيدته عن نسيج وجدانهم بالقدر الذي يستدعيه نقص السيولة واختفاء المحروقات ورغيف الخبز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى