كتاب الرائ

الصحة حق

الصحة حق ليست عبارة تُقال ولا شعارًا يُرفع في المناسبات هي أصل تقوم عليه الدولة وميزان تُقاس به عدالتها ومعيار يُكشف به صدقها أمام شعبها الصحة حق وجودي لصيق بالإنسان لا يُمنح ولا يُسحب ولا يُؤجل ولا يُقايض ولا يُختزل في خدمة ولا يُختزل في فاتورة، هو التزام سيادي كامل لا يقبل التجزئة ولا التأويل حين تُقره الدساتير وتدعمه القوانين وتُسخر له الموارد فإنها لا تتفضل به إنما تعترف به وتلتزم بحمايته وتنفيذه والاعتراف بالحق لا يكتمل إلا بصيانته من العبث والانحراف والانتهاك ، الصحة ليست سوقًا ولم تكن يومًا كذلك إلا حين غاب الوعي أو غُيب الضمير أو تراجعت الدولة عن دورها الطبيعي وحين تتحول الصحة إلى سلعة فإننا لا نكون أمام تطور بل أمام انهيار صامت في منظومة القيم لأن تحويل الحق إلى سلعة هو في جوهره نزع للحق من أصحابه وإعادة تعريفه بما يخدم من يملك القدرة على الدفع لا من يملك الحاجة إلى العلاج وهنا تبدأ المأساة الحقيقية حين يصبح المرض فرصة للربح لا مسؤولية للعلاج وحين يتحول الألم الإنساني إلى رقم في ميزان التجارة وحين يُختزل الإنسان في قدرته على الدفع لا في كرامته وحقه في الحياة، أي انحراف أعظم من أن يُصبح المريض زبونًا بعد أن كان صاحب حق، وأي خلل أعمق من أن يُطلب ثمن لما هو مكفول وأي تناقض أفدح من أن تنفق الدولة على التعليم الطبي وتبتعث وتدرب وتوظف ثم تُترك النتيجة النهائية لتُباع في سوق مفتوحة لا ضابط لها ولا معيار إلا القدرة المالية، إن الطبيب الذي أُعد على نفقة الدولة ليس مشروعًا استثماريًا هو ركيزة من ركائز الحق الصحي وإن المستشفى الذي بُني من المال العام ليس منشأة ربحية فهو مرفق سيادي يؤدي واجبًا وإن الدواء الذي يفترض أن يكون في متناول الجميع لا يجوز أن يتحول إلى سلعة تُحتكر وتُسعر وتُتاجر بها لأن في ذلك انتهاكا مباشرًا لمعنى الحق قبل نصوصه، لقد عرفت مجتمعات كثيرة معنى الحق الصحي حتى في ظروف قاسية وإمكانات محدودة وكان العلاج يُقدم باعتباره واجبًا لا خيارًا، فكيف يُعقل أن يتراجع هذا المفهوم في زمن الوفرة وكيف يُقبل أن تتحول دولة ريعية تنص قوانينها ودساتيرها بوضوح على أن الصحة حق إلى واقع يُباع فيه العلاج ويُشترى وكأن النصوص لم تكن وكأن الالتزامات قد سقطت دون إعلان وكأن التحول من الحق إلى السوق أمر طبيعي لا يستوجب مساءلة ولا مراجعة، المسألة ليست في ارتفاع التكاليف ولا في تعقيد الخدمات ولا في تحديات الإدارة إنما هي في جوهر الفكرة التي تم تغييرها بصمت من حق مضمون إلى خدمة قابلة للبيع من التزام واجب إلى خيار خاضع للسوق ومن مسؤولية الدولة إلى عبءٍ على الفرد ، وهذا التحول ليس بريئًا ولا عابرًا، هو انحراف عميق يضرب أساس العقد بين الدولة والمجتمع، لأن الدولة التي تتخلى عن ضمان صحة مواطنيها إنما تتخلى عن أحد أهم أسباب شرعيتها ومعنى وجودها، من الذي سمح بأن يُعاد تعريف الصحة بهذا الشكل، ومن الذي قبل أن تُفرغ النصوص من مضمونها، ومن الذي صمت أمام هذا التحول الخطير حتى أصبح واقعًا يُتعامل معه وكأنه أمر مفروغ منه، إن الصمت هنا ليس حيادًا بل مشاركة ضمنية في تكريس الانحراف لأن الحق لا يُسلب دفعة واحدة، يُنتزع تدريجيًا حين يُغض الطرف عن أول مخالفة ويُبرر ثانيها ويُتعايش مع ثالثها حتى يصبح الباطل مألوفًا ويُنظر إلى الحق كاستثناء لا كقاعدة، إن الصحة ليست مجالًا للاستثمار في ضعف الناس، ولا فرصة لتحقيق الأرباح على حساب الألم الإنساني، ولا ساحة لتكريس الفوارق بين من يملك ومن لا يملك لأن المرض لا يختار ضحاياه وفق قدرتهم المالية ، المرض يطرق أبواب الجميع والحق حين يكون حقًا لا يُجزأ ولا يُقنن وفق القدرة على الدفع، ولا يُعاد تعريفه وفق منطق السوق إنما يُصان باعتباره قيمة عليا لا تقبل المساومة، إن إعادة الأمور إلى نصابها لا تكون ببيانات عامة ولا بوعود مؤجلة بل بإعادة الاعتبار لمعنى الحق نفسه بأن يُفهم ويُمارس ويُحمى، وبأن تُفعل القوانين لا أن تُترك حبرًا على ورق وأن يُحاسب كل من شارك في تحويل الصحة إلى سلعة مباشرةً أو ضمنيًا ، وأن يُعاد بناء النظام الصحي على أساس أن المريض صاحب حق وليس حامل فاتورة، وأن الطبيب مؤتمن على هذا الحق لا وسيطًا في سوق، وأن الدولة مسؤولة عن ضمان هذا الحق لا مراقبًا لبيعه وشرائه، الصحة حق والدولة التي تعي معنى الدولة لا تُساوم على هذا الحق ولا تتركه للتقلبات ولا تسمح بتفريغه من مضمونه لأن التفريط في الصحة هو تفريط في الإنسان ذاته والتفريط في الإنسان هو تفريط في جوهر الدولة ومعناها، وما يحدث حين تُباع الصحة وتُشترى ليس اختلافًا في السياسات هو خروجًا صريحا عن الحق والحقيقة، وما يحدث اليوم ليس على حق ولن يكون على حق مهما طال الزمن، لأن الحق لا يتحول إلى باطل بالتكرار ولا يصبح الباطل حقًا بالاعتياد، ويبقى الحق حقًا واضحًا جليًا ينتظر من يُعيده إلى مكانه الطبيعي حيث لا يُشترى العلاج بل ويُقدم ولا يُهان المريض إنما يُصان ولا تُقاس قيمة الإنسان بما يملك، إنما تقاس بما يستحق وهو يستحق الحياة والصحة والكرامة دون قيد أو شرط.

د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى