إلى أين ذاهبون بصحتنا

د.علي المبروك أبوقرين
إلى أين نمضي بصحة أمتنا ونحن نحمل في ذاكرتنا صوراً لا تُمحى لسنوات القحط الإنساني حين كان المرض يتكاثر كما يتكاثر الخوف وكانت الحياة نفسها مشروع نجاة يومي لا ترف فيه ولا ضمان، جيل عاش الفقر المدقع والجوع ورأى الأمراض المعدية والمزمنة تنتشر بلا رادع في غياب المستشفيات والخدمات، ثم صبر هذا الجيل وربى وعلم وضحى ليصل بنا إلى لحظة كان يفترض أن تكون لحظة الوفاء لهم ولجيلنا ولمن بعدنا لا لحظة النسيان، فكيف بنا اليوم نتعامل مع الصحة وكأنها سلعة ومع المرض وكأنه فرصة للتكسب، وكيف نسمح لأنفسنا أن نكون أشد قسوة على أهلنا من قسوة المرض نفسه، أي منطق هذا الذي يحول حق الإنسان في العلاج إلى عبء، وأي رؤية هذه التي تختزل رسالة الطب في معادلة ربح وخسارة، إن ما يحدث ليس أزمة موارد بقدر ما هو أزمة ضمير وأزمة فهم لمعنى الدولة ودورها، ففي بلاد تملك الإمكانيات لا ينبغي أن يُترك الإنسان لمصيره الصحي، ولا ينبغي أن يتحول الطبيب إلى مجرد مقدم خدمة في سوق مفتوح بلا ضوابط، لأن الطب في جوهره ليس مهنة فقط إنما رسالة أخلاقية وعلمية وإنسانية تتجاوز الحسابات الضيقة، وحين نتحدث عن تكوين الأطباء فإننا لا نتحدث عن قاعات دراسية وشهادات تُعلق على الجدران بل عن منظومة متكاملة تُصنع فيها الكفاءة في الميدان وتُبنى فيها الشخصية العلمية في بيئة صارمة عادلة يتعلم فيها الطبيب كيف يفكر قبل أن يتعلم ماذا يفعل، وكيف يتحمل المسؤولية قبل أن يمارس السلطة، الطبيب الحقيقي لا يُصنع في الكتب وحدها إنما في الاحتكاك اليومي بالمرضى وفي المستشفيات الجامعية الحقيقية التي تُمارس فيها المعرفة لا تُلقن، وفي الانفتاح على أعظم المدارس الطبية العالمية حيث تتلاقى الخبرات وتتطور المهارات وتُختبر المعايير، فإذا حُرم طلابنا من هذا الحق فإننا لا نظلمهم فقط إننا نظلم كل مريض سيعتمد عليهم في يوم من الأيام، لأن ضعف التكوين ليس خطأ فردياً فهو خلل نظامي يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله، ومن هنا فإن الاستثمار في التعليم الطبي ضرورة سيادية تقوم به مؤسسات الدولة التعليمية وتحت ادارتها واشرافها ، كما أن صيانة كرامة المريض التزام أخلاقي لا يقبل التفاوض، وفي دولة ريعية أنعم الله عليها بالموارد لا يمكن تبرير أن يدفع المريض ثمن علاجه من قوته أو كرامته، فالأصل أن تكون الرعاية الصحية مكفولة وممولة ومصانة بالقانون وأن يكون مقدم الخدمة متفرغاً لأداء رسالته لا منشغلاً بتحصيل المقابل، لأن اختلاط القرار الطبي بالمنفعة المالية هو بداية الانحراف عن جوهر الطب، وحين يُستنزف المريض مادياً ونفسياً فإننا لا نعالج المرض إنما نضاعفه ونخلق ما يمكن تسميته بالمرض المركب الذي يبدأ في الجسد ويمتد إلى الروح ثم إلى المجتمع، إن الأمة التي عانت طويلاً من المرض والحرمان تستحق نظاماً صحياً يعيد لها التوازن ويمنحها الطمأنينة ليس نظاماً يزيد من قلقها ويعمق شعورها بالعجز، والجيل الذي صبر علينا حتى تعلمنا يجب أن يكون أول من نقطف له ثمار هذا التعلم لا آخر من يُحرم منها، لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس إلى أين نحن ذاهبون فحسب إنما ماذا نريد أن نكون، هل نريد نظاماً صحياً يعكس الوفاء لتاريخ من المعاناة ويترجم نعمة الموارد إلى عدالة في الخدمة وجودة في الأداء، أم نريد أن نعيد إنتاج الألم في صورة جديدة أكثر قسوة لأنها تأتي هذه المرة بوعي ومعرفة وقدرة، إن الطريق واضح لمن أراد أن يرى، يبدأ بإعادة الاعتبار للصحة كحق لا كسلعة وببناء تعليم طبي حقيقي يرتبط بالمستشفيات الجامعية الفاعلة وبفتح الأبواب أمام طلابنا للاحتكاك بالعالم لا بعزلهم عنه وبوضع ضوابط صارمة تمنع الاتجار بالألم وبالعلم وتحمي المريض وطالب الطب من الاستغلال وبإعلاء قيمة الطبيب كحامل رسالة لا كأداة في سوق، وحينها فقط يمكن أن نقول إننا لم نخن ذاكرة الألم ولم نخذل من صنعوا لنا هذا الطريق، أما إن تركنا الأمور تسير بلا تصحيح فإننا لا نكون فقط قد أخطأنا في حق الحاضر بل نكون قد أسأنا إلى أنفسنا وإلى المستقبل وكتبنا بأيدينا فصلاً جديداً من المعاناة كان يمكن أن نتجنبه لو امتلكنا الشجاعة لنكون أوفياء لما عشناه وما تعلمناه.





