كتاب الرائ

بناتنا “منو بيهن ” ؟

فيصل الهمالي

دبابيس

في ثمانينيات القرن الماضي ضاع جيل الستينيات بين التجنيد الإلزامي وحرب تشاد ، وتشرد من نجى منهم في أزقة الشوارع الضيقة هرباً من أعين السلطات التي تلاحقهم بين الحين والأخر ، ليواجهوا حياة البطالة والعوز والموت البطيء ، وانعكست أثار تلك الحقبة السوداء على كل مناح الحياة الاقتصادية والعلمية و الاجتماعية و عانت فتيات نفس الجيل كابوس العنوسة رافق كثيرات منهن حتى يومنا هذا   .

أما في التسعينيات واجه جيل السبعينيات أزمات من نوع أخر ، انهيار منظومة التعليم وتحويل المدراس إلى ثكنات عسكرية صاحبه عسر الأحوال المادية للأسر من ذوي الدخل المحدود الذين يشكلون غالبية الشعب ، مع بداية ظهور الطبقية بشكل محتشم تدريجياً ، مع غياب مشاريع الدولة الاسكانية وندرة فرص العمل التي كانت محصورة في القطاع العام لا يحظى بها كثيرين إلا أصحاب الحظ أو الوساطة ، ما  سبب في عزوف غالبية شباب هذا الجيل عن الزواج ، لما كان يحتاجه من امكانيات مادية ضخمة ساهمت في فرضها العادات والتقاليد المرهقة في تلك الآونة ، ولا زال كثيرين من نفس الجيل يقبعون في ظل العزوبية حتى يومنا هذا يقابلهم في الطرف الأخر عدد مضاعف من الإناث اللواتي فاتهن قطار الزواج بكل أسف .

وها نحن اليوم و في غفلة منا يزداد الطين بلة ، فما ان تتوقف رحى حرب حتى تُدار اخرى ، وما أُخمدت فتنة إلا واشتعلت أكبر منها ، ولكل حرب حطبها من خيرة أبناء هذا البلد المكلوم ، فمنذ العام 2011 ما انفكت الحروب والفتن تنهش هذه الشريحة وتلتهمها بشراهة ، ولا مبالغة إن قلنا أنها بات على شفى الانقراض ، خصوصاً ونحن نعيش منذ تسعة أشهر أحداث أعنف وأطول حرب شهدتها البلاد ، استنزفت كل مقدراتها المادية وطاقاتها البشرية ، تحصد الأرواح يومياً بأعداد مخيفة ، تنذر بكارثة ليست كسابقاتها ، فهذا الاستنزاف البشري يوازيه تراجع ملحوظ في مستوى المواليد وازدياد في تفشي امراض النساء و العقم وحالات الاجهاض ، والتي لم تلتفت مؤسسات الدولة المعنية لدراسة أسبابها حتى يومنا هذا وكأن الأمر لا يعنيها .

ربما لا يستند هذا الطرح إلى إحصائيات بيانية علمية توضح أرقاماً حقيقية لما سبق ذكره ، إلا أن الأمر لا يخفى على كل متابع لأخبار هذه الحرب ، وما يعلن عنه يومياً من ضحاياها ، وبالتالي لا يمكن نكران النتائج بأي حال اذا طال أمدها ، فإن لم تخلف قتلى فأنها حتماً ستخلف مبتوري أطراف ، ناهيك عن ما ستخلفه من مشاكل نفسية وذهنية لمن كُتبت لهم الحياة وخرجوا من نفقها على أرجلهم سالمين ، يحتاجون إلى برامج جادة لتأهيلهم وإعادتهم لحياتهم الطبيعية بعد كل ما شهدوه من أهوال على جبهات القتال طوال هذه الفترة .

وفي الوقت الذي يتوجه فيه شبابنا لحمل السلاح وخوض حرب الرابح فيها خاسر ، تتسلل العمالة الوافدة وأغلبهم من “صغار السن”إلى ميادين العمل بمختلف مجالاته في السوق الليبي ، حتى صاروا يديرون عجلة التجارة في كبرى المحلات والأسواق والمكاتب والشركات ، يعتمد عليهم التجار في تسيير أعمالهم ويشركونهم في ادق التفاصيل ، من الألف إلى الياء ، ويؤمنهم أخرين على بيوتهم ومصالحهم وأرزاقهم ، حتى انصهر كثيرين منهم داخل المجتمع فأتقنوا اللهجة الليبية الدارجة ، يجالسون  الشباب في المقاهي ، ويرافقونهم في مجالس السمر والسهرات ، ومؤكد أن لهؤلاء طموحات وتطلعات ، فهل سيعوضون الفاقد من شبابنا لسد كل الاحتياجات ، ليصبح “مدير أو صديك ” اليوم ” بو نسيب” غداً .. أخشى إن استمر هذا الاستنزاف فلن يكون أمامنا إلا هذا الخيار رغماً عنا ، رغم مرارته ، فقرع ناقوس الخط تحجبه أصوات المدافع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى