كتاب الرائ

الترشيد من الوريد إلى الوريد

فيصل الهمالي

دبابيس

عانى المواطن الليبي ولايزال من حجم الفساد الإداري المستشري منذ زمن ليس بقصير في جل مؤسسات الدولة ، وعلى وجه الخصوص تلك التي تشكل ارتباطاً مباشراً بمصالحه المعيشية ،و على رأسها المؤسسة المالية وما ينضوي تحت مظلتها من ادارات ومصارف وغيرها ، ومن المعروف ان الخيط الرئيسي الذي يربط المواطن البسيط بهذه المؤسسة مرتبه الشهري الذي يتقاضاه من جهة عمله ، ونستثني هنا اصحاب الأعمال والتجار ومن في فلكهم .

تخلف المنظومة المصرفية في ليبيا الذي لا يقل درجة عن تأخر أداء المؤسسة المالية السيادية بالإضافة إلى ارتباك الادارات المالية في أغلب مؤسسات الدولة الأخرى، جعل من طعم حياة موظفي القطاع العام أشد مرارة من العلقم إلا أنهم اعتادوا ذلك بمرور الزمن ولم يكن أمامهم من خيار، كما لم تظهر الدولة أي خطوات ايجابية واضحة نحو الإصلاح والارتقاء بهذه المؤسسات لتقديم الأفضل وانهاء معاناة المواطنين .

وبينما ينتظر الليبيون أن يلتمسوا ولو قدراً بسيطاً من تحسين أداء القطاع العام المصرفي والمالي ، يحذوهم الأمل أن تصدق بعض وعود أصحاب الحل والربط ، برع جهابذة صناعة القرار في أروقة الحكومة في انتاج المزيد من سبل التضييق والخناق على رقبة المواطن البسيط ، بل أنهم اختاروا الزمن المناسب جداً لذلك ليزداد المشهد قتامة ، و طعم العيش مرارة ، ولتصبح الحياة ضنكاً بعد ضنك . فولدوا من رحم المركزية المقيتة سلسلة من العُقد والمطبات الإجرائية ، واجبروا المواطن البسيط على الركض المُضني داخل دهاليز متشعبة ومتاهات متداخلة ، للحصول على ابسط حقوقه متمثلة في قيمة مرتبه الشهري  .

قرار انشاء لجنة لترشيد مرتبات القطاع العام ، او ما كان يعرف بلجنة 104 لم يزد الطين إلا بلة ، لم يتضرر منه سوى المواطنين البسطاء ، جرفتهم سيول أخطاء او تقصير أو ربكة الادارات المالية للمؤسسات والأجهزة التي يتبعونها ، ولم يكن أغلبهم مذنبين بأي حال من الأحوال ، وحتى إن كان بعضهم قد أذنب فالحل بهذه الطريقة يُعد جرماً في حق من لم يُذنب.

وعلى سبيل المثال لا الحصر ، صدور قرار بإيقاف مرتب موظف  لظهور اسمه في منظومة الازدواج الوظيفي عن طريق الخطأ لم يكلف المسؤول الا ورقة وبضعة سطور ، أما قرار الافراج عن نفس المرتب ، بعد أن تبين الخطأ  أمراً يحتاج إلى جيوش جرارة من الموظفين ، وأشهر من البحث و الاجتماعات المطولة للبث في مصير هذا الموظف المكلوم ، ولا ضير ان ارهقته الديون وصار مواطناً مغبون ، يمارس عمله يومياً مجاناً مجبراً مكرهاً ، فيما يستمر في البحث عن ” ولد حلال ” لا ينتمي لفئة اصحاب الوساطة والوجاهة ، ليعتني بملفه أو يحاول اقناع الموظف المسؤول أن يضعه في أولوياته .

هذا غيض من فيض وعينة من المئات لا يتسع المجال لذكرها في مرة واحدة ، فلم تجد هذه الفئة للأسف من ينصفها فضاعت حقوقها بين أدراج لجنة الترشيد ، فقطعت أعناقها من الوريد إلى الوريد ، في زمن كثرت فيه الأزمات ، وصار الأحياء فيه أشبه بالأموات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى