تحقيقات ولقاءات

الأمثال الشعبية مِرآة المجتمع النفسية

الجزء الثاني

براءة الاحمر

سيطرة الإنسان على ما يقول ويسمع ويتداول يؤثر بشدة في العقل الباطن للإنسان وعلى أسلوب تفكيره وطبيعة حياته , فالعقل مبرمج على ما يتم إدخاله إليه من صور وكلمات وليس لديه القدرة على التمييز بين المدخلات الإيجابية والسلبية فيصبح مصدقاً ومحققا للمدخلات لشدة كثر تداولها وتكرارها , والتي تحتوي على قدر كبير من المبالغة والتهويل معظم الأحيان ,و عندما تتأثر الصحة النفسية فأنه وبالطبع لا يمكن أن تسلم الصحة الجسدية من ذلك .

العديد من الأمثال المترددة في أكثر أقطار العالم العربي خاصة وبفارق بسيط في اللحن والكلمات تشيع فكرا سلبيا انهزاميا قابل بواقع لا يرتفع ولا يرغب أساسا في التغيير, وتجديرها في بنية التنشئة الاجتماعية يمثل اكبر دور في حالة ” الشلل التغييري ” إصابة الوطن العربي المزمنة القاتلة . 

مثلا ” اليد اللي ما تقدرش تعضها بوسها ” و ” حط راسك بين الروس وقول ياقطاع الرووس ” مثل يحاكي لحظة تسليم وتبعية وانقياد مما يحدث بتأثيره ركون نفسي للاستكانة ومماهاة الأمر كما الجميع ، وهذا ما زاد من تقبل إنسان العالم الثالث لقهره بل ودخوله في “متلازمة ستوكهولم” حيث أصبح يقدس جلاده وليس فقط يتماهى معه , في كل نواحي الحياة وفي كل أشكال العلاقات .

فاستخدام الأمثال من ذلك النوع بشكل يومي ومستمر وبقوة تأثيره تلك يقتل في الناس كل احتمال للخروج عن طوع السائد “الصورة النمطية للسمو” والتفكير بطرق مختلفة .

فيصبح من غير الممكن التفكير في حياة تتجاوز أسوار المثل أو ألأمر الشعبي , حياة أكثر قرب للحياة الإنسانية الأصلية دون قيود وأغلال , حياة تتساوى فيها الحظوظ وتقسم فيها الثروات بشكل عادل , حياة يسمح فيها للعين بأن تعلو عن الحاجب وان ينظر أياً كان لفوق دون أن يتعب وان تطلب فيها السترة من الله دون السير محاذاة الحائط.

وكيف ما تؤثر الأمثال والأغاني في نفسية الفرد وسيكولوجية المجتمع وتشكل ثقافة شعبه.. تعكس معاناته الوجودية وتعبر عنها بشكل فصيح , الأغنية الحزينة مرآة يرى فيها إنسان مجتمعات القهر ذاته ويعيش من خلالها إحباطاته , القصص الشعبية والملاحم التي تغنى في المناسبات وأحيانا في المراثي , وهناك الأفلام وما يطغى عليها من حزن , كلها مرآة تعكس اجترار الآلام التي لا خلاص منها والتي يغرق فيها ذلك الإنسان , وليس تركيزها حول آلام العشق سوى ستار يخفي آلام الوجود التي تسقط على علاقة الحب ويسلط اضطهاده عليها لأنه غير قادر على المقاومة أو المجابهة , كعجز الطفل أمام المشاعر التي تملأ عالمه ، يعاني الإنسان المقهور عجزاً شبه جذري أمام عوائق الطبيعة والقدرية والأمثال الشعبية, لذلك فهو ينجذب للمحاولات السحرية في إدخال بعض التنظيم إلى الاعتباط الذي يملأ عالمه , بغية السيطرة عليه. 

يميل الإنسان المقهور بصفة خاصة والإنسان بصفة عامة إلى أنسنة بعض الأشياء رغم تشييئه لبعض اللا مخلوقات, فيصور الإنسان المقهور الطبيعة على صورة الأم الرحوم ثارة والأب القاسي العنيف تارة أخرى , وعلى ذلك فعليه إما الاستكانة وقبول المكتوب أو تبرير ما يحدث كجزء من طبيعة الحياة نفسها وعليه تقبلها وهذا ما تتولى مسؤوليته الأفكار الأمثال والنصوص المقدسة الشعبية .

إن الثورة على الواقع المهزوم لا تكون باتباع عبارات سببت هذا الواقع ،فلا يولد الانهزام إلا انهزام وانقياد وليس بالصمت والموافقة على القيم الخاطئة وما ترسخه من ذل واستغلال المواقف فالمهم المصلحة مهما كان الثمن مثل مقل “لو كان ليك عند الكلب مصلحة قوله يا سيدي” فهذا لا يزيد الأمر إلا سوءا وتخلفا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى