المبادرة الشاملة للتوعية الصحية المجتمعية وبناء الجاهزية الصحية.

د.علي المبروك أبوقرين
في عالم تتسارع فيه التحولات وتتزايد فيه المخاطر لم تعد التحديات الصحية مقتصرة على الأمراض التقليدية أو الأوبئة العابرة بل أصبحت منظومة معقدة من التهديدات المتداخلة التي تمس صحة الإنسان وحياته وكرامته واستقراره، فالعالم اليوم يواجه طيفًا واسعًا من الأخطار يبدأ بالأوبئة والجوائح مثل الكوفيد 19، والأمراض المعدية الناشئة والمتجددة ، ولا ينتهي عند الأمراض غير السارية المرتبطة بأنماط الحياة ، بل يمتد ليشمل التغيرات البيئية والمناخية وما يصاحبها من كوارث طبيعية كالعواصف والسيول والفيضانات والزلازل والانجرافات الأرضية وما تخلفه من آثار صحية مباشرة وغير مباشرة، كما تتعاظم هذه التحديات بفعل الحروب والصراعات وما ينتج عنها من إصابات ونزوح وانهيار في الخدمات الأساسية إلى جانب المخاطر الناتجة عن التلوث البيئي والتسربات الكيميائية والتهديدات الإشعاعية وسوء إدارة الموارد الطبيعية، ولا تقف التهديدات عند هذا الحد بل تمتد إلى تحديات داخل المنظومة الصحية نفسها مثل ضعف التوعية الصحية وانتشار المعلومات المغلوطة وارتفاع تكاليف العلاج وتفاوت فرص الوصول إلى الخدمات الصحية إضافة إلى انتشار الأدوية المغشوشة والسلع الضارة، وتأثير الإعلانات والدعايات والمعلومات المضللة، وقد كشفت التجارب العالمية وخاصة خلال جائحة الكوفيد أن قوة النظم الصحية لا تقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأطباء بل بمدى وعي المجتمع وقدرته على الوقاية والاستجابة، وأن المجتمع غير الواعي قد يُضاعف من خطورة الأزمات ، بينما المجتمع المدرك والمدرّب يمكن أن يكون عاملًا حاسمًا في احتوائها، ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء نموذج محلي وعربي وأفريقي متكامل للتوعية الصحية المجتمعية، يقوم على تمكين الإنسان بالمعرفة والمهارة وتحويله من متلقٍ سلبي للخدمة الصحية إلى شريك فاعل في الوقاية والحماية والاستجابة، إن هذه المبادرة لا تنطلق فقط من الحاجة إنما من قناعة راسخة بأن الاستثمار في وعي الإنسان هو أساس بناء مجتمعات آمنة صحيًا، وأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات، وأقل عرضة للخسائر البشرية والاقتصادية، وعليه تأتي هذه المبادرة لتكون إطارًا استراتيجيًا محليا وعربيًا وأفريقيا شاملًا يسعى إلى توحيد الجهود وتعزيز الجاهزية المجتمعية، وبناء ثقافة صحية مستدامة بالشراكة مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف وهيئات الهلال والصليب الأحمر وكافة الجهات ذات العلاقة، وتهدف هذه المبادرة إلى رفع مستوى الوعي الصحي المجتمعي بالأوبئة والأمراض المعدية وطرق الوقاية منها، وبناء قدرات مجتمعية مدربة على الإسعافات الأولية والاستجابة للطوارئ، وتعزيز الجاهزية المجتمعية للتعامل مع الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية، وتقليل الضغط على المؤسسات الصحية من خلال الوقاية والتدخل المبكر وترسيخ مفهوم الشراكة بين المواطن والنظام الصحي، وتشمل المبادرة محاور رئيسية مثل، التوعية الصحية بالأوبئة والأمراض المعدية من خلال التعريف بالأمراض وطرق انتقالها ووسائل الوقاية والتدريب على السلوكيات الصحية أثناء مراحل الانتشار المختلفة، ومكافحة الشائعات والمعلومات المغلوطة، كما تشمل التوعية بالكوارث البيئية والمناخية والتعامل مع العواصف والسيول والزلازل والانجرافات الأرضية، والوقاية من الآثار الصحية الناتجة عن التغيرات البيئية، والاستعداد الصحي قبل وأثناء وبعد الكوارث، وتنفيذ برامج الإسعافات الأولية والإنقاذ المجتمعي وتدريب أفراد المجتمع على الإسعافات الأولية الأساسية ونشر مهارات الإنعاش القلبي الرئوي والإخلاء الطبي السريع، وإعداد فرق مجتمعية مساندة في حالات الطوارئ، بالإضافة إلى التوعية في حالات الحروب والصراعات والتعامل مع الإصابات والطوارئ في البيئات غير المستقرة، وإدارة المخاطر الصحية في النزوح واللجوء، والحفاظ على الصحة النفسية في الأزمات، وتعزيز مفهوم الصيدلية المنزلية والتأهب الأسري ونشر مفهوم الصيدلية المنزلية المجهزة وفق معايير آمنة وتوعية الأسر بكيفية التعامل مع الحالات الطارئة البسيطة وإعداد الأسرة كخط دفاع أول، كما تهدف المبادرة إلى بناء القيادات المجتمعية الصحية واختيار وتدريب أفراد من المجتمع لديهم القابلية للتعلم وتأهيلهم كسفراء للتوعية الصحية داخل مجتمعاتهم ودمجهم في برامج مستدامة إلى جانب أعمالهم، وتشمل الفئات المستهدفة جميع فئات المجتمع بمختلف الأعمار وطلبة المدارس والجامعات والعاملون في القطاعات غير الصحية والأسر وربات البيوت والمتطوعون والقيادات المجتمعية، أما آليات التنفيذ فتتمثل في إدماج التوعية الصحية في المناهج التعليمية، وإطلاق حملات إعلامية مستمرة عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وتنظيم دورات تدريبية ميدانية وورش عمل وإشراك المؤسسات الدينية والمجتمعية والتعليمية واستخدام التقنيات الحديثة والتطبيقات الذكية لنشر التوعية، ويشارك في تنفيذ المبادرة وزارات الصحة والتعليم والإعلام ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والبحثية المحلية والعربية والافريقية، وتتم متابعة مؤشرات النجاح من خلال ارتفاع مستوى الوعي الصحي في المجتمع، وزيادة عدد الأفراد المدربين على الإسعافات الأولية، وانخفاض معدلات العدوى في الأوبئة، وسرعة الاستجابة المجتمعية للطوارئ، وتقليل العبء على المؤسسات الصحية، أما الأثر المتوقع فيتضمن مجتمعًا أكثر وعيًا ومسؤولية، ونظمًا صحية أكثر قدرة على الصمود وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية في الأزمات، وتعزيز الأمن الصحي المحلي والعربي والافريقي المشترك ، ويؤكد الاستثمار في وعي الإنسان باعتباره أعظم استثمار، وبناء مجتمع صحي واعي حجر الأساس لأي نهضة حقيقية، وهذه المبادرة تمثل خطوة استراتيجية نحو مستقبل صحي أكثر أمانًا واستدامة ..





