واقع التضامن الصحي العربي

ليست الأمة جمعًا جغرافيًا تتجاور فيه الحدود بل كيان حي يتنفس بروابطه ويقوى بتكامل أعضائه ويضعف حين تنفصل أطرافه عن مركز الشعور والمسؤولية وإذا كان الاجتماع العربي قد اتخذ لنفسه إطارًا مؤسسيًا عبر جامعة الدول العربية فإن هذا الإطار على اتساعه لا يزال يبحث عن نبض عملي يجعل من التضامن وعدًا مُنجزًا لا بيانًا مؤجّلًا خاصة في أكثر المجالات التصاقًا بكرامة الإنسان وهو الصحة ففي ظاهر الصورة تتعدد الهياكل وتنعقد المجالس ويجتمع الوزراء تحت مظلة مجلس وزراء الصحة العرب، وتنبثق مكاتب تنفيذية وتُعتمد خططٌ وأنشطة، غير أن الواقع حين يُختبر بالشدائد يكشف فجوة بين الشكل والجوهر، وبين وجود المؤسسة وفاعليتها، وبين القدرة الكامنة وغياب الآليات، فالدول العربية على تنوعها في الدخل والسكان والموارد والقدرات لا تفتقر إلى الإمكانات بقدر ما تفتقر إلى منظومة تفعيلٍ متماسكة، تُحول التباين إلى تكامل والوفرة في مكان إلى سند لموضع العجز في مكان آخر، وقد كشفت جائحة كوفيد-19 كما كشفت قبلها الصراعات الممتدة والكوارث الطبيعية أن الخطر لا يعترف بالفوارق، وأن الضعف في جزءٍ من الجسد يهدد سلامة الكل، ومع ذلك ظل التدخل غالبًا رهين اللحظة، تحكمه مبادرات متفرقة وتُثقله إجراءات بيروقراطية تُبطئ ما ينبغي أن يسبق الزمن، وفي لحظات تُقاس فيها الحياة بالدقائق يصبح التأخير شكلًا من أشكال الخسارة التي كان يمكن تجنبها، إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس هل نملك القدرة بل هل نملك الإرادة المؤسسية التي تُحول القدرة إلى فعل منظم وسريع، وهنا بالضرورة أن يُعاد تعريف العمل العربي المشترك في الصحة بوصفه شبكة أمان وجودية لا بندًا ضمن جداول الاجتماعات، إن ما نحتاجه ليس مزيدًا من الهياكل بل آليات حية تُدار بعقل الطوارئ لا بروتين الإدارة، آليات تقوم على التكامل لا التماثل حيث تسد الدول ذات الفائض فجوات الدول ذات العجز وفق خرائط احتياج محدثة لا وفق تقديرات عامة وعلى الجاهزية لا الارتجال، عبر مخزونات استراتيجية مشتركة من الأدوية والمستلزمات، وقوائم محدثة للكوادر القابلة للنشر، وخطط لوجستية مجربة مسبقًا، وعلى السرعة لا التعقيد من خلال مسارات تدخل مفعلة سلفًا تُطلق تلقائيًا عند الطوارئ ، عبر منصات معلومات موحدة تُظهر الاحتياج والموارد في الزمن الحقيقي وتمنع الازدواجية والهدر، ومن قلب هذه الرؤية تبرز ضرورة تأسيس هيئة عربية للطوارئ الصحية والإنسانية، كيان ليس رمزيًا بل تشغيلي الصلاحيات يمتلك القدرة على التحرك الفوري عبر الحدود ويضم فرق تدخل سريع متعددة التخصصات في طب الطوارئ والجراحة والوبائيات والصحة العامة، وأسطولًا لوجستيًا للنقل الجوي والبري ومستشفيات ميدانية ووحدات إسعاف متقدمة ومخزونًا إقليميًا موزعًا استراتيجيًا، ومركز قيادة وتحكم يعمل على مدار الساعة، وصلاحيات مسبقة للتفعيل الفوري بالتنسيق مع الدول الأعضاء، هيئة تدير الزمن الحرج وتُقاس قيمتها بالدقائق التي تُنقذ وبالمسافات التي تُختصر وبالأرواح التي لا تُفقد، وليس المقصود أن تحل هذه المنظومة محل السيادات الوطنية بل أن تعززها وأن تكون امتدادًا لقوة الدولة حين تشتد الحاجة لا بديلًا عنها، فالتضامن الحقيقي لا ينتقص من السيادة بل يحميها من الانكسار تحت ضغط الكوارث، أما المجتمع العربي بكل فئاته فله دور مواز في ترسيخ ثقافة التعاضد ودعم المبادرات، والإيمان بأن سلامة الجار شرط لسلامة الدار، والإعلام حين يرتقي إلى مسؤوليته يصبح شريكا في بناء الثقة لا مجرد ناقل للخبر، إن الصحة في معناها الأعمق ليست خدمة تُقدم بل عهد يُصان، وعندما تُترجم هذه الحقيقة إلى عمل عربي مشترك يصبح لدينا جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالفعل لا بالقول، وفي النهاية ليست المسألة نقصًا في الموارد إنما نقص في هندسة الإرادة فإذا أُحسن تصميمها وتحررت من بطء الإجراءات تحول الحلم إلى نظام والنية إلى إنقاذ والاجتماع إلى حياة، وهناك فقط نستطيع أن نقول إننا لم نعد ننتظر الكارثة لنتضامن بل صرنا نسبقها بمنظومة تُنقذ الإنسان لأن الإنسان في هذا الفضاء المشترك هو الغاية والبداية.
د.علي المبروك أبوقرين




