النظم الصحية بين الجاهز والتفصيل

د.علي المبروك أبوقرين
في الفكر الصحي المعاصر إشكالية عميقة حيث تحولت النظم الصحية عند البعض من تعبير عن سيادة الدولة وخصوصية المجتمع إلى قوالب جاهزة تُستورد كما تُستورد السلع وتُسوّق كما تُسوّق المنتجات، حتى اختلط المعنى بين الصحة كحق إنساني أصيل وبين الصحة كخدمة قابلة للبيع والشراء، وبينما يُفترض أن تكون المنظومة الصحية انعكاساً حقيقياً لبنية المجتمع وتاريخه وموارده وثقافته ونمط أمراضه وديموغرافيته، أصبحت في كثير من الحالات نتيجة لتوجهات أيديولوجية أو ضغوط اقتصادية أو توصيات خارجية تبحث عن سهولة التطبيق وليس عن عمق الملاءمة، إن النظم الصحية ليست وصفات طبية يمكن تعميمها ولا نماذج هندسية يمكن نسخها إنما هي كائنات حية تنمو داخل بيئاتها وتتأثر بكل تفاصيلها من طبيعة الدولة إلى سلوك الأفراد، ومن قدرات الاقتصاد إلى ثقافة المجتمع، ومن تاريخ المرض إلى توقعات الناس، ولذلك فإن أي محاولة لفرض نموذج جاهز على واقع مختلف هي في حقيقتها إغفال للعلم والمنطق، لأن الاختلاف بين البلدان ليس في الدرجة فقط إنما في الطبيعة والبنية والاحتياجات والقدرات، وحتى في تعريف الصحة ذاته ومفهوم العدالة فيها، وحين تُختزل الصحة في مفاهيم السوق ويُعاد تعريفها كسلعة فإن الخطر لا يكون فقط في ارتفاع التكلفة بل في إعادة ترتيب الأولويات بحيث يتقدم الربح على الحاجة، وتصبح الخدمة مرتبطة بالقدرة على الدفع وليس بالحق في الحياة، وتتحول المؤسسات الصحية من أدوات حماية إلى أدوات انتقاء غير معلن، وهنا تتآكل العدالة الصحية بصمت، وتفقد الدولة أحد أهم أدوارها وهو صون الحق في الصحة باعتباره جزءاً من العقد الاجتماعي بينها وبين مواطنيها، وليس الإشكال في الاستفادة من تجارب الآخرين فالتعلم والتبادل ضرورة ، إنما الإشكال في النقل الأعمى الذي يتجاهل السياق ويستبدل الفهم بالتقليد ويحول الحلول إلى إكسسوارات تضاف إلى بنية لم تُبنى أصلاً على أسس سليمة، فقد يصلح نموذج ما لبلد يمتلك موارد مستقرة ومؤسسات راسخة وثقافة تنظيمية عالية لكنه يتحول إلى عبء أو فوضى إذا نُقل إلى بيئة تعاني من هشاشة مؤسسية أو ضغوط اقتصادية أو اختلالات اجتماعية عميقة، وكأننا نضع ربطة عنق أنيقة على جسد أنهكته الأزمات يرتدي بدلة مرقعة دون أن نعالج أصل العلة، إن الطريق الرشيد لا يكمن في رفض النماذج ولا في تبنيها كما هي بل في تفكيكها وفهم فلسفتها واستخلاص ما يتناسب مع الواقع المحلي ثم إعادة تركيبها ضمن رؤية وطنية تنطلق من تعريف واضح للصحة بوصفها حقاً وسيادة ومسؤولية جماعية وتُبنى على بيانات دقيقة تعكس الواقع الصحي والسكاني وتُصاغ بسياسات متدرجة تراعي الإمكانات وتستهدف الأولويات وتُنفذ عبر مؤسسات قوية قادرة على التكيف والتطوير المستمر، وفي سياق الواقع الليبي على وجه الخصوص تبرز ضرورة الحذر من الانزلاق إلى استنساخ نماذج تقوم على التوسع غير المنضبط في النشاط الصحي الخاص أو فتح المجال لسوق موازٍ يخلق تشوهات عميقة في العدالة والوصول ويعيد تشكيل الخدمة الصحية وفق القدرة على الدفع وليس وفق الحاجة، كما أن التوسع في أنماط التأمين الصحي بصيغ مستوردة لا تنسجم مع طبيعة الاقتصاد الريعي القائم على مورد سيادي واحد قد يؤدي إلى تفكيك النظام بدلاً من دعمه إذا لم يُصمم بعناية تنطلق من خصوصية الدولة ومواردها وأولوياتها لأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف الإمكانيات بل في سوء توجيهها وتبعثرها بين مسارات متناقضة، إن بناء نظام صحي وطني متماسك في مثل هذا السياق يقتضي الحفاظ على وحدة المنظومة وعدم تفتيتها تحت مسميات إصلاحية ظاهرها التطوير وباطنها التفكيك، ويستدعي توجيه الموارد نحو تقوية القطاع العام بوصفه الضامن الأساسي للعدالة الصحية مع ضبط أي دور تكميلي للقطاع الخاص ضمن إطار صارم يحفظ التوازن ويمنع تغول السوق، ويقتضي كذلك تجنب استيراد حلول جاهزة لا تعكس الواقع بل إعادة صياغة نموذج وطني يوازن بين الكفاءة والعدالة ويستثمر في البنية التحتية والكوادر البشرية ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة، وعندها فقط تتحول المنظومة الصحية من منتج مستورد إلى مشروع وطني حي يحمل بصمة المجتمع ويعبر عن إرادته ويخدم إنسانه وتصبح الإصلاحات نابعة من الداخل وليس مفروضة من الخارج، وتستعيد الصحة مكانتها كقيمة عليا وليس كسلعة عابرة، وكركيزة للاستقرار وليس كسوق للمنافسة ، وحينها لا تكون الدولة قد اشترت نظاماً صحياً بل تكون قد بنت منظومة حياة تحفظ الكرامة وتصون الحق وتستجيب للواقع كما هو لا كما يُراد له أن يكون ..






