كتاب الرائ

المفهوم الفلسفي الإنساني للصحة

الصحة ليست مرفقًا إداريًا ولا بندًا ماليًا في ميزانية عامة ولا خدمة يمكن إخضاعها لمنطق العرض والطلب بل هي التعبير الأكثر نقاءً عن فهم الدولة للإنسان وقيمته ومكانته في سلم الأولويات ، فهي المرآة التي تعكس فلسفة الحكم ورؤية المجتمع لذاته ، إما أن يُنظر إلى الإنسان باعتباره غاية الوجود ومصدر الثروة الحقيقية فتُبنى السياسات على صون جسده وطمأنينة روحه ، وإما أن يُختزل إلى رقم في سوق استهلاكي كبير فتتحول آلامه إلى فرص استثمارية وأمراضه إلى مساحات ربحية ومخاوفه إلى حملات ترويجية مدفوعة الثمن ، وهنا تتمايز الفلسفتان تمايزًا جذريًا لا يلتقيان في منتصف الطريق الفلسفة الأولى فلسفة إنسانية تنموية أخلاقية ترى الصحة حقًا أصيلًا لا يُنتقص وواجبًا سياديًا لا يُفوض ومسؤولية وطنية لا تُجزأ ، تنطلق من العلم الراسخ والتخطيط بعيد المدى ، والاستثمار في الوقاية قبل العلاج وفي البيئة قبل المستشفى وفي المدرسة قبل العيادة ، تؤمن بأن العافية رأس مال بشري ، وأن كل دينار يُنفق على التحصين والتغذية والصحة المدرسية والرعاية الأولية يعود أضعافًا في الإنتاج والاستقرار الاجتماعي وتماسك الأسرة وانخفاض معدلات الجريمة والفقر والاضطراب النفسي ، وفي هذه الفلسفة يكون الطبيب حامل رسالة ، والعلم أمانة ، والتدريب مسارًا صارمًا طويلًا لا يُختصر ولا يُشترى ولا يُزور، وتكون الجودة معيارًا لا مساومة فيه ، والعدالة مبدأً لا يخضع للمحسوبيات ، والمجانية ضمانًا لعدم سقوط أي إنسان في لحظة ضعفه بسبب عجز مالي أو تمييز طبقي أو موقع جغرافي ، أما الفلسفة الأخرى فهي فلسفة تسليع وتفكيك تتسلل بلغة براقة ومصطلحات استشارية مستوردة توهم بالكفاءة والمرونة والشراكة لكنها في جوهرها تنقل مركز الثقل من حماية الصحة إلى إدارة المرض ، ومن الوقاية إلى الفاتورة ومن العدالة إلى القدرة على الدفع ، ومن رسالة المهنة إلى تسويق الخدمة ، تفتح الأبواب للإعلانات التي تخلق احتياجات وهمية وتضخم التشخيص وتدفع نحو الإفراط في الفحوصات والعلاجات ، وتسمح بتضارب المصالح حين يُمزج العام بالخاص بلا ضوابط صارمة فيتحول المرفق العام إلى بوابة تحويل ويصبح الانتظار الطويل أداة ضغط غير معلنة ، وتنتعش أسواق الدواء الرديء أو المغشوش حين تضعف الرقابة وتُستبدل المعايير العلمية الصارمة بمنطق الربح السريع ويُختزل التأمين الصحي الطفيلي إلى صناعة عقود معقدة واستقطاعات متراكمة وإنفاق كارثي من الجيب يستهلك المدخرات ويزرع الخوف في البيوت ، ويُحول المرض من ابتلاء عابر إلى كارثة مالية ممتدة ، الفارق بين الفلسفتين ليس إداريًا بل أخلاقي وجودي ، الأولى تسأل كيف نقلل المرض ، والثانية تسأل كيف نُدير المرض ليبقى مصدر تدفق مالي ، الأولى تقيس النجاح بانخفاض معدلات الوفيات والأمراض المزمنة وارتفاع متوسط العمر الصحي وتحسن جودة الحياة والثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسساته ، والثانية تحتفل بنمو سوق الدواء وزيادة أعداد المراجعين ، واتساع التغطيات التأمينية التجارية حتى لو كان ذلك دليلًا على تفاقم الاعتلال لا انحساره ، الأولى تبني نظامًا صحيًا متكاملًا يبدأ بالرعاية الأولية القوية ويصعد عبر إحالة منظمة وعادلة ، ويستند إلى تعليم طبي صارم ومستشفيات تعليمية حقيقية وتدريب سريري رصين يربط النظرية بالممارسة ويُخضع الجميع لمعايير اعتماد واضحة وشفافة ، والثانية تتوسع أفقيًا في مباني ولا تستثمر عموديًا في الكفاءة وتمنح الشهادات أكثر مما تبني المهارات وتستورد الأجهزة أكثر مما تُنمي العقول وتُشيد واجهات أكثر مما تُحصن المنظومة من الفساد وتضارب المصالح ، في الفلسفة الإنسانية تكون الصحة عنصرًا من عناصر العدالة الاجتماعية فلا يُترك طفل بلا تحصين ولا امرأة بلا رعاية أمومة آمنة ولا مسن بلا متابعة مزمنة ولا مريض مزمن تحت رحمة الدخل المحدود ويُنظر إلى الفئات الضعيفة ليس باعتبارها عبئًا بل معيارًا لمدى تحضر النظام وتُصاغ السياسات بعين ترى المستقبل الديمغرافي وارتفاع متوسط الأعمار والتحولات الوبائية والبيئية وتُخطط لبنية تحتية مرنة قادرة على الاستجابة للكوارث والأوبئة وتُعلي من قيمة البحث العلمي والبيانات الدقيقة والشفافية والمساءلة ، أما في الفلسفة التدميرية غير الإنسانية فإن التفاوت يتسع طبقيًا فيصبح الوصول إلى الخدمة الجيدة مرتبطًا بالقدرة على الدفع وتتكرس ازدواجية نظام عام مُرهق ونظام خاص مُكلف ويُهمل الوقائي لأنه لا يُدر أرباحًا سريعة وتتزايد الأمراض المزمنة لأنها سوق مستدامة ويصبح الخوف محركا للاستهلاك الصحي ويُستنزف المجتمع ماليًا ونفسيًا وتضعف الثقة ويتحول الطب من رسالة رحمة إلى مهنة تفاوض ويُختزل النجاح في أرقام مالية وليس في مؤشرات صحة حقيقية، والدولة الغنية الريعية ليست مضطرة أخلاقيًا ولا اقتصاديًا للارتماء في منطق التسليع فهي تملك القدرة على بناء نظام وطني قوي ممول تمويلًا كافيًا يخضع لرقابة صارمة ويضبط القطاع الخاص بدل أن يخضع له ويمنع تضارب المصالح ويُجرم الغش والتلاعب ويستثمر في الإنسان قبل الحجر وفي التدريب قبل التوسع الشكلي وفي الجودة قبل الدعاية ويؤسس لثقافة صحية ترى في الوقاية شرفًا وطنيًا وفي المجانية عدالة وليس مِنة وفي الكرامة الإنسانية خطًا أحمر لا يُمس ، إن المفهوم الفلسفي الإنساني للصحة هو الذي ينحاز للعلم الراسخ لا للانطباعات وللتخطيط بعيد المدى لا للحلول الترقيعية وللتدريب الحقيقي الصارم لا للشهادات الورقية وللعدالة في الوصول لا للامتياز الطبقي وللجودة الشاملة لا للزينة المؤسسية وللمجانية الممولة بوعي وكفاءة لا للإنفاق الكارثي من الجيب وهو المفهوم الذي يعيد للطب روحه وللدولة معناها وللمجتمع ثقته بنفسه ويجعل من العافية مشروعًا وطنيًا جامعًا وليس سوقًا مفتوحًا تتقاطع فيه المصالح ، فالصحة ليست تجارة مرض بل عهد كرامة ، وليست مساحة ربح بل مساحة حياة ، ومن يختار فلسفة الإنسان يختار المستقبل ، ومن يختار فلسفة السوق المنفلت يختار اتساع الألم ولو بعد حين

د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى