كتاب الرائ

الصحة ليست مجالًا للتجريب

الخدمات الصحية والتعليم الطبي والتدريب السريري، ليست قطاعات متجاورة فحسب بل منظومة واحدة متشابكة تتقاطع فيها المعرفة والمسؤولية والأخلاق والقانون. ولحساسية الوظيفة التي تؤديها هذه المنظومة، لا يجوز بل يجب أن يُمنع قانونًا وأخلاقيًا أن يمارس أي إنسان عملًا أو إجراءً أو حتى رأيًا مهنيًا يتعلق بصحة الناس وحياتهم ما لم يكن قد تعلم وتدرب وتأهل واجتاز الاختبارات العلمية والمهنية، ونال الشهادات الموثوقة المشرعنة رسميًا التي تخوله ذلك.

فالصحة ليست حقل اجتهادات عشوائية ولا مساحة آراء شخصية، وإنما منظومة علمية مهنية محكومة بالتأهيل الصارم والتخصص الدقيق والمسؤولية القانونية والأخلاقية. ومن هنا يصبح من البديهي أن تقوم الخدمات الصحية والتعليم الطبي والتدريب السريري على تشريعات وقوانين ولوائح وسياسات واضحة وصارمة، ورؤى استراتيجية محددة، وهياكل تنظيمية دقيقة، ونظم إدارية لا لبس فيها، مع توصيف وظيفي مفصل لكل مهمة مهما صغرت أو كبرت، يحدد بدقة من يقوم بها وكيف، وبأي مؤهلات، وتحت أي معايير رقابية. ولا يقف الأمر عند حدود التعليم والتأهيل، بل يمتد إلى شرعية الهياكل ذاتها، بدءًا من مدخل النظام الصحي والتعليم الطبي وصولًا إلى مخرجاته مرورًا بعلاقة المؤسسات ببعضها، وانسياب المعلومات والبيانات والإجراءات والتدخلات، وتنقل العاملين والمعلمين والمتدربين والباحثين والمرضى بين هذه الهياكل وفق مسارات واضحة، مضبوطة بالزمن والمعايير والمواصفات والبروتوكولات والأدلة العلمية والتوثيق الدقيق. فالحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة المستمرة، شرطًا وجوديًا لاستقامة هذا القطاع. ولهذا لا مجال إطلاقًا للعشوائية أو الارتجال أو المزاجية أو الفوضى في أي مفصل من مفاصل الصحة والتعليم الطبي والتدريب السريري. فالأخطاء والإهمال والتقصير والتأخير والتجاوزات المهنية، ليست مجرد هنات إدارية بل هي بحكم اتصالها المباشر بصحة الناس وحياتهم ورفاههم، جرائم مهنية وأخلاقية كبرى، حتى إن لم تسفر عن ضرر ظاهر، لأن أصل المخالفة قائم على تعريض الإنسان لاحتمال الضرر، وهو في ذاته أمر غير مقبول في منظومة يفترض أن تقوم على الوقاية والأمان والثقة. ومن هنا تبرز ضرورة أن تكون جميع المؤسسات الصحية والتعليمية والتدريبية والبحثية مقننة ومشرعنة ومدسترة، أماكن وهياكل ووظائف وأفرادًا، بحيث يُعرف بوضوح من يعمل وأين يعمل وبأي صفة وتحت أي ترخيص، وفي أي إطار قانوني وتنظيمي. فهذه القواعد ليست تفاصيل إجرائية بل هي الأساس الذي تُبنى عليه شرعية أي عمل صحي فردي أو جماعي أو مؤسسي وأي خلل فيها كفيل بأن ينسف سلامة العمل ومشروعيته حتى لو بدا صغيرًا أو غير مؤذي في ظاهره. وعليه يصبح من الضروري إخضاع القطاع الصحي والتعليم الطبي والتدريب السريري والبحث العلمي الطبي لمراجعة شاملة مستمرة، تتحقق من توافر كل عناصر الشرعية العلمية والفنية والإدارية والقانونية، وخلوها من أي شائبة تنظيمية أو مهنية. فلا ينبغي أن يشغل أي موقع صحي أو تعليمي أو بحثي إلا من استوفى شروط التأهيل والكفاءة والخبرة والسلوك المهني، وتحقق في حقه معيار الشرعية القانونية والأخلاقية والعلمية معًا. وبذلك فقط يمكن أن يتشكل نظام صحي وطني قوي وفعال ومنصف، يستند إلى تعليم طبي راسخ، وتدريب سريري حقيقي، وبحث علمي طبي وصحي موجه لخدمة المجتمع لا لمجرد استيفاء الشكليات أو تحقيق مكاسب عابرة. عندها يصبح للبلاد سجل صحي متكامل ومتطور ودقيق، ومؤسسات حقيقية تستوفي المعايير العلمية والمهنية والتنظيمية، وتتوفر قاعدة بيانات واضحة عن الوظائف الصحية ومن يشغلها، وعن مستويات التأهيل والخبرة والكفاءة وشرعية المؤهلات. إن وجود بيانات دقيقة حول القوى العاملة الصحية وتوزيعها ونقصها واحتياجاتها الفعلية وفائضها إن وجد، شرط أساسي للعدالة والكفاءة والاستدامة. فمن دون معرفة دقيقة بالموارد البشرية والمؤسسية يستحيل التخطيط الرشيد، ويصبح الإصلاح مجرد شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع. ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي في القطاع الصحي أو التعليم الطبي أو التدريب السريري أن ينجح في ظل الفوضى المدمرة والعشوائية القاتلة التي تفتك بالمنظومات قبل الأفراد. فغياب التنظيم والتشريع والحوكمة لا يؤدي فقط إلى ضعف الأداء بل يهدد صحة الناس وحياتهم تهديدًا مباشرًا وممنهجًا، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة. والأرجح أن التدقيق الجاد والصريح في واقع هذه القطاعات سيكشف عن اختلالات وكوارث قد تبدو صادمة، وربما غير قابلة للتصديق لأول وهلة، لكنها تمثل في حقيقتها نتيجة طبيعية لسنوات من التسيب وضعف التشريع وغياب المساءلة وتداخل الأدوار وتآكل المعايير المهنية. وإن استمرار هذا الوضع لا يعني مجرد خلل إداري أو قصور مهني بل يمثل تهديدًا حقيقيًا لصحة المجتمع وحياته، ويقوض الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تكون مصدر الأمان والطمأنينة. إن حماية صحة الناس مسؤولية تاريخية وأخلاقية وقانونية تستوجب نظامًا واضح المعالم وصارم الضوابط وشفاف الأداء، وعادل التوزيع، قائمًا على العلم والكفاءة والشرعية وإلا فإن الثمن سيكون دائمًا من صحة الإنسان وحياته وكرامته، وهو ثمن لا يجوز لأي مجتمع واعي أن يقبل بدفعه. فالصحة في جوهرها ليست مجرد خدمة تُقدم، بل عهد أخلاقي وقانوني وعلمي لا يحتمل العبث ولا يسمح بالفوضى، لأنها ببساطة تتعلق بأغلى ما يملكه الإنسان صحته وحياته وسلامته وكرامته.

د.علي المبروك أبوقرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى